مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٠ - ٢٢ سورة الحج
لهدّمت أديرة وصوامع ومعابد اليهود والنصارى والمساجد التي يذكر فيها اسم اللَّه كثيراً.
وكل دعوة لعبادة اللَّه وتوحيده مضادّة للجبابرة الذين يريدون أن يعبدهم الناس تشبّهاً منهم باللَّه تعالى، لهذا يهدّمون أماكن توحيد اللَّه وعبادته، وهذا من أهداف تشريع الجهاد والإذن بمقاتلة الأعداء. «الصوامع»: جمع «صومعة» وهي عادةً مكان خارج المدينة بعيد عن أعين الناس مخصّص لمن ترك الدنيا من الزهّاد والعبّاد. و «البِيَع»: جمع بيعة بمعنى معبد النصارى، ويطلق عليها كنيسة أيضاً. و «الصلوات»: جمع صلاة، بمعنى معبد اليهود، ويرى البعض أنّها معرّبة لكلمة «صلوتا» العبرية، التي تعني المكان المخصّص بالصلاة. وأمّا «المساجد»: فجمع مسجد، وهو موضع عبادة المسلمين. والصوامع والبيع، رغم أنّها تخصّ النصارى، إلّاأنّ إحداهما معبد عام والاخرى لمن ترك الدنيا.
وفي الختام أكّدت هذه الآية ثانية وعد اللَّه بالنصر: «وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ» ولا شكّ في إنجاز هذا الوعد، لأنّه من رب العزة القائل: «إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ»، من أجل ألّا يتصوّر المدافعون عن خطّ التوحيد أنّهم وحيدون في ساحة قتال الحقّ للباطل، ومواجهة جموع كثيرة من الأعداء الأقوياء.
و آخر آية تفسّر المراد من أنصار اللَّه الذين وعدهم بنصره في الآية السابقة، وتقول:
«الَّذِينَ إِن مَّكَّنهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَوةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ».
إنّهم فئة لا تلهو ولا تلعب كالجبابرة بعد انتصارها، ولا يأخذها الكبر والغرور، إنّما ترى النصر سلّماً لإرتقاء الفرد والجماعة، إنّها لن تتحوّل إلى طاغوت جديد بعد وصولها إلى السلطة، لإرتباطها القوي باللَّه، والصلاة رمز هذا الإرتباط بالخالق، والزكاة رمز للإلتحام مع الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامتان قويّتان لبناء مجتمع سليم، وهذه الصفات الأربع تكفي لتعريف هؤلاء الأفراد، ففي ظلّها تتمّ ممارسة سائر العبادات والأعمال الصالحة، وترسم بذلك خصائص المجتمع المؤمن المتطوّر.
وتقول الآية في ختامها: «وَلِلَّهِ عقِبَةُ الْأُمُورِ». وتعني أنّ بداية أيّ قدرة ونصر من اللَّه تعالى، وتعود كلّها في الأخير إليه ثانية.
وقد أشارت هذه الآيات إلى أمرين مهمّين في فلسفة الجهاد: