مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٩ - ٢٠ سورة طه
لتراقب مصيرك، فرأت جنود فرعون: «فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ». وربّما أضافت بأنّ هذه المرأة لها لبن نظيف، وأنا مطمئنة بأنّ هذا الرضيع سيقبلها.
فاستبشر الجنود على أمل أن يجدوا ضالّتهم عن هذا الطريق، فذهبوا معها، فأطلعت اخت موسى- والتي كانت تظهر نفسها بمظهر الشخص الغريب والمجهول- امّها على الأمر، فجاءت امّه إلى بلاط فرعون، من دون أن تفقد سيطرتها على أعصابها، بالرغم من أنّ أمواجاً من الحب والأمل كانت قد أحاطت بكل قلبها، واحتضنت الطفل، فلما شمّ الطفل رائحة امّه، وكانت رائحة مألوفة لديه، التقم ثديها كأنّه تضمّن لذة الروح وحلاوتها، واشتغل الطفل بشرب اللبن بلهفة وعشق شديدين، فانطلقت صرخات الفرح من الحاضرين، وبدت آثار الفرح والسرور على زوجة فرعون.
فقد أمرها فرعون بالإهتمام بالطفل، وأكّدت زوجته كثيراً على حفظه وحراسته، وأمرت أن يعرض عليها الطفل بين فترة واخرى.
هنا تحقق ما قاله القرآن: «فَرَجَعْنكَ إِلَى أُمّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ».
ومرّت السنون والاعوام، وتربّى موسى عليه السلام وسط هالة من لطف اللَّه ومحبته، وفي محيط آمن، وشيئاً فشيئاً أصبح شابّاً. وكان ذات يوم يمرّ من طريق فرأى رجلين يتشاجران، أحدهما من بني إسرائيل والآخر من الأقباط- وهم المصريون، قوم فرعون- ولمّا كان بنو إسرائيل يعيشون دائماً تحت ضغط الأقباط الظالمين وأذاهم، هبّ موسى لمعونة المظلوم الذي كان من بني إسرائيل، ومن أجل الدفاع عنه وجّه ضربة قاتلة إلى ذلك القبطي، فقضت عليه.
إنّ موسى، وحسب إشارة بعض أصدقائه عليه، خرج متخفّياً من مصر، وتوجّه إلى مدين، فوجد محيطاً وجوّاً آمناً في ظل النبي «شعيب»، والذي سيأتي شرح حاله في تفسير سورة القصص إن شاء اللَّه تعالى
هنا حيث يقول القرآن الكريم: «وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنكَ مِنَ الْغَمّ وَفَتَنكَ فُتُونًا». فبعد حادثة القتل اختبرناك كثيراً والقينا بك في اتون الحوادث والشدائد «فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ». وبعد اجتياز هذا الطريق الطويل، والإستعداد الروحي والجسمي، والخروج من دوامة الأحداث بشموخ وانتصار «ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يمُوسَى». أي لاستلام مهمة الرسالة في زمان مقدّر إلى هذا المكان.