مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٤ - ١٩ سورة مريم
وأنّها السبب في أن تدبر الدنيا عنهم، أمّا إذا خرجوا من دائرة الإيمان والتقوى فإنّ الدنيا ستقبل عليهم، وتزيد ثروتهم وأموالهم. فقد كان في عصر النبي- وكذلك في عصرنا- أفراد جاهلون يظنّون هذه الظنون والأوهام، أو كانوا يتظاهرون بها على الأقل، فيتحدّث القرآن- كمواصلة للبحث الذي بيّنه سابقاً حول مصير الكفار والظالمين- في الآيات مورد البحث عن طريقة التفكير هذه وعاقبتها، فيقول في أوّل آية من هذه الآيات: «أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بَايَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا».
ثم يجيبهم القرآن الكريم: «أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمنِ عَهْدًا». فإنّ الذي يستطيع أن يتكهّن بمثل هذا التكهّن، ويقول بوجود علاقة بين الكفر والغنى وامتلاك الأموال والأولاد، مطّلع على الغيب، لأنّا لا نرى أيّ علاقة بين هاتين المسألتين، أو يكون قد أخذ عهداً من اللَّه سبحانه، وهذا الكلام أيضاً لا معنى له.
ثم يضيف بلهجة حادّة: إنّ الأمر ليس كذلك، ولا يمكن أن يكون الكفر أساساً لزيادة مال وولد أحد مطلقاً: «كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ».
أجل، فإنّ هذا الكلام الذي لا أساس له قد يكون سبباً في انحراف بعض البسطاء، وسيثبت كل ذلك في صحيفة أعمال هؤلاء، «وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا».
إنّ هذه الأموال والأولاد التي هي أساس الغرور والضلال هي بنفسها عذاب مستمر لهؤلاء. «وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ» من الأموال والأولاد، «وَيَأْتِينَا فَرْدًا».
نعم، إنّه سيترك في النهاية كل هذه الإمكانيات والأملاك المادية ويرحل، ويحضر في محكمة العدل الإلهية بأيد خالية، وفي الوقت الذي اسودّت فيه صحيفة أعماله من الذنوب والمعاصي، وخلت من الحسنات ... هناك، حيث يرى نتيجة أقواله الجوفاء في دار الدنيا.
وتشير الآية التالية إلى علّة اخرى في عبادة هؤلاء الأفراد للأصنام، فتقول: «وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا». وليشفعوا لهم عند اللَّه، ويعينوهم في حلّ مشاكلهم، لكن، أيّ ظن خاطىء وخيال ساذج هذا؟!
ليس الأمر كما يظن هؤلاء أبداً، فليست الأصنام سوف لا تكون لهم عزّاً وحسب، بل ستكون منبعاً لذلّتهم وعذابهم، ولهذا فإنّهم سوف ينكرون عبادتهم لها في يوم القيامة: «كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِم وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا».