مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦١ - ١٨ سورة الكهف
يعتقد بعض المفسرين أنّ كلمة «ردم» تقال للسدّ القوي.
ثم أمر ذو القرنين فقال: «ءَاتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ».
«زُبر»: جمع «زُبرة» على وزن (غرفة)، وتعني القطع الكبيرة والضخمة من الحديد.
وعندما تهيّأت قطع الحديد أعطى أمراً بوضع بعضها فوق البعض الآخر حتى غطّي بين الجبلين بشكل كامل: «حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ». «صدف»: تعني هنا حافة الجبل.
الأمر الثالث لذي القرنين هو طلبه منهم أن يجلبوا الحطب وما شابهه، ووضعه على جانبي هذا السد، وأشعل النار فيه ثم أمرهم بالنفخ فيه حتى احمرّ الحديد من شدّة النار:
«قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا».
لقد كان يهدف ذو القرنين من ذلك ربط قطع الحديد بعضها ببعض ليصنع منها سدّاً من قطعة واحدة، وعن طريق ذلك، قام ذو القرنين بنفس عمل «اللحام» الذي يقام به اليوم في ربط أجزاء الحديد بعضها ببعض.
أخيراً أصدر لهم الأمر الأخير فقال: اجلبوا لي النحاس المذاب حتى أضعه فوق هذا السد: «قَالَ ءَاتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا».
وبهذا الشكل قام بتغطية هذا السدّ الحديدي بطبقة من النحاس حتى لا ينفذ فيه الهواء ويحفظ من التآكل.
وأخيراً، أصبح هذا السد بقدر من القوة والإحكام بحيث: «فَمَا اسْطعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطعُوا لَهُ نَقْبًا».
لقد كان عمل ذي القرنين عظيماً ومهماً، وكان له وفقاً لمنطق المستكبرين ونهجهم أن يتباهى به أو يمنّ به، إلّاأنّه قال بأدب كامل: «قَالَ هذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبّى»، لأنّ أخلاقه كانت أخلاقاً إلهية.
إنّه أراد أن يقول: إذا كنت أملك العلم والمعرفة وأستطيع بواسطتهما أن أخطو خطوات مهمّة، فإنّ كل ذلك إنّما كان من قبل الخالق جلّ وعلا.
ثم استطرد قائلًا: لا تظنوا أنّ هذا السد سيكون أبدياً وخالداً: «فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبّى جَعَلَهُ دَكَّاءَ». «وَكَانَ وَعْدُ رَبّى حَقًّا».
لقد أشار ذو القرنين في كلامه هذا إلى قضية فناء الدنيا وتحطّم هيكل نظام الوجود فيها عند البعث.