مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٤ - ١٧ سورة الإسراء
ولكنه عندما طرد- إلى الأبد- من حضرة الساحة الإلهية بسبب استكباره وطغيانه في مقابل أمر اللَّه له، قال: «قَالَ أَرَءَيْتَكَ هذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا». «أحتنكن»: مشتقة من «احتناك» وهي تعني قطع جذور شيء ما. لذا فإنّ هذا القول يشير إلى أنّ إبليس سيحرف كل بني آدم عن طريق اللَّه وطاعته، إلّاالقليل منهم.
ويحتمل أن تكون كلمة «أحتنكن» مشتقة من «حنك» وهي المنطقة التي تحت البلعوم؛ وفي الواقع، فإنّ الشيطان يريد أن يقول بأنّه سيضع حبل الوسوسة في أعناق الناس ويجرهم إلى طريق الغواية والضلال.
وهكذا كان، فقد أعطي الشيطان إمكانية البقاء والفعالية حتى يتحقق الاختبار للجميع، ويكون وجوده سبباً لتمحيص واختبار المؤمنين الحقيقيين لأنّ الإنسان يشتدّ عزمه عندما تهاجمه الحوادث ويقوى عوده في مواجهة الأعداء، لذلك قالت الآية: «قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءًا مَّوْفُورًا». وبهذه الوسيلة للاختبار ينكشف الفاشل من الناجح في الامتحان الإلهي الكبير.
ثم ذكرت الآيات بعد ذلك- باسلوب جميل- الطرق التي ينفذ منها الشيطان والأساليب التي يستخدمها في الوسوسة والإغواء فقالت:
«وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ ...».
«وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ...».
«وَشَارِكْهُمْ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلدِ ...».
«وَعِدْهُمْ ...».
ثم يجيء التحذير الإلهي: «وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطنُ إِلَّا غُرُورًا ...».
ثم اعلم أيّها الشيطان: «إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطنٌ ...». «وَكَفَى بِرَبّكَ وَكِيلًا».
«إستفزز»: مشتقة من «استفزاز» وهي تعني الإثارة؛ الإثارة السريعة والعادية، ولكن الكلمة في الأصل تعني قطع شيءٍ ما. واستعمال هذه الكلمة هنا للدلالة على تحريك الشخص وإثارته لينقطع عن الحق ويتوجه نحو الباطل.
«اجلب»: مأخوذ من «إجلاب» وفي الأصل من «جلبة» وهي تعني الصرخة الشديدة، والإجلاب تعني الطرد مع الأصوات والصرخات. وأمّا النهي عن «الجلب» الوارد في