مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٧ - ١٧ سورة الإسراء
الآية التي بعدها هي لتأكيد النهي عن التبذير: «إِنَّ الْمُبَذّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيطِينِ وَكَانَ الشَّيْطنُ لِرَبّهِ كَفُورًا».
لأنّ اللَّه أعطاه قدرةً وقوّةً وإستعداداً وذكاءاً خارقاً للعادة، ولكن الشيطان استفاد من هذه الامور في غير محلّها، أي في طريق إغواء الناس وإبعادهم عن الصراط المستقيم.
ثم إنّ استخدام «إخوان» تعني أنّ أعمالهم متطابقة ومتناسقة مع أعمال الشيطان، كالأخوين اللذين تكون أعمالهما متشابهة، أو أنّهم قرناء وجلساء للشيطان في الجحيم.
ثم أنّ الإنسان قد لا يملك ما يعطيه للمسكين أحياناً، وفي هذه الحالة ترسم الآية الكريمة طريقة التصرف بالنحو الآتي: «وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا».
«ميسور»: مشتقة من «يسر» وهي بمعنى الراحة والسهولة، أمّا هنا فلها مفهوم واسع، يشمل كل كلام جميل وسلوك مقرون بالإحترام والمحبة.
الإعتدال هو شرط في كل الامور بما فيها الإنفاق ومساعدة الآخرين، لذلك تنتقل الآية للقول: «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ». وهذا تعبير جميل يفيد أنّ الإنسان ينبغي أن يكون ذا يد مفتوحة، لا أن يكون مثل البخلاء وكأنّ أيديهم مغلولة إلى أعناقهم بُخلًا وخشية من الإنفاق، ولكن في نفس الوقت تقرّر الآية أنّ بسط اليد لا ينبغي أن يتجاوز الحد المقرر والمعقول في الصرف والبذل والعطاء، حتى لا ينتهي المصير إلى الملامة والإبتعاد عن الناس: «وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا».
سؤال: لماذا يجب أن يكون هناك مساكين وفقراء ومحرومون حتى ننفق عليهم؟ أليس من الافضل أن يعطيهم اللَّه ما يريدون حتى لا يحتاجون إلى إنفاقنا؟
الجواب: تعتبر الآية الأخيرة بمثابة جواب على هذا السؤال: «إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا». إنّه اختبار لنا، فاللَّه قادر على كل شيء، ولكنه يريد بهذا الطريق تربيتنا على روح السخاء والتضحية والعطاء، إضافة إلى ذلك، إذا أصبح أكثر الناس في حالة الكفاية وعدم الحاجة فإنّ ذلك يقود إلى الطغيان والتمرّد «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَءَاهُ اسْتَغْنَى»؛ لذلك من المفيد أن يبقوا في حد معين من الحاجة. هذا الحد لا يسبب الفقر ولا الطغيان، من ناحية اخرى يرتبط التقدير والبسط في رزق الإنسان بمقدار السعي وبذل الجهد (باستثناء بعض الموارد من قبيل العجزة والمعلولين)، وهكذا تقتضي