مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩ - ١٦ سورة النحل
عملية تحريك الوجدان الإنساني، وذلك لما للموعظة الحسنة من أثر دقيق وفاعل على عاطفة الإنسان وأحاسيسه، وتوجيه مختلف طبقات الناس نحو الحق.
٣- «وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ»: الخطوة الثالثه تختص بتخلية أذهان الطرف المخالف من الشبهات العالقة فيه والأفكار المغلوطة ليكون مستعداً لتلقي الحق عند المناظرة.
وفي ذيل الآية الاولى، يقول القرآن: «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».
فالآية تشير إلى أنّ وظيفتكم هي الدعوة إلى طريق الحق بالطرق الثلاثة المتقدمة، أمّا مسألة من الذي سيهتدي ومن سيبقى على ضلاله، فعلم ذلك عند اللَّه وحده سبحانه.
٤- إنصبّ الحديث في الأصول الثلاثة حول البحث المنطقي والاسلوب العاطفي والمناقشة المعقولة مع المخالفين، وإذا حصلت المواجهة معهم ولم يتقبّلوا الحق وراحوا يعتدون، فهنا يأتي الأصل الرابع: «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ».
٥- «وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّابِرِينَ». في تفسير العياشي: إنّ الآية نزلت يوم احد لمّا رأى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ما صنع بحمزة بن عبد المطلب (فشقوا بطنه وأخذت هند بنت عتبة كبده فجعلت تلوكه وجدعوا أنفه وأذنه) قال: «اللّهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان على ما أرى». ثم قال: «لئن ظفرت لأمثلن ولأمثلن».- وعن ابن عباس قال قال رسول اللَّه:
«لأمثلن بسبعين رجلًا منهم».- فأنزل اللَّه: «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّابِرِينَ». قال فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «أصبر أصبر».
ربّما كانت تلك اللحظة من أشد لحظات حياة النبي صلى الله عليه و آله ولكنّه تمالك زمام امور نفسه واختار الطريق الثاني، طريق العفو والصبر.
٦- «وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ»: والصبر إنّما يكون مؤثّراً وفاعلًا إذا قصد به رضوانه تعالى ولا يلحظ فيه أيّ شيء دون ذلك.
٧- وإذا لم ينفع الصبر في التبليغ والدعوة إلى اللَّه، ولا العفو والتسامح، فلا ينبغي أن يحلّ اليأس في قلب المؤمن أو يجزع، بل عليه الاستمرار في التبليغ بسعة صدر وهدوء أعصاب أكثر، ولهذا يقول القرآن الكريم في الأصل السابع: «وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ».
٨- «وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ»: فمهما كانت دسائس العدو العنيد واسعة ودقيقة وخطرة فلا ينبغي لك ترك الميدان، لظنّك أن قد وقعت في زواية ضيّقة وحصار محكم، بل