مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٤
أجل، إنّ الرياح هي وسيلة لتكاثر النعم العديدة في مجال الزراعة والتدجين، وهي وسيلة للحمل والنقل أيضاً، وأخيراً فهي سبب للإزدهار التجاري. وفي الآية التالية يقع الكلام عن إرسال الأنبياء إلى قومهم، في حين أنّ الآية التي بعدها تتحدث عن هبوب الرياح مرّة اخرى، ولعل وجود هذه الآية بين آيتين تتحدثان عن نعمة هبوب الرياح له جانب اعتراضي.
ولعل ذكر النبوة إلى جانب هذه المسائل، إنّما هو لإكمال البحث المتعلق بالمبدأ والمعاد.
إنّ الآية تقول: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيّنَاتِ». أي المعجزات والدلائل الواضحة والبراهين العقلية، فاستجاب جماعة منهم لهذه الدلائل، ولم يستجب آخرون لها برغم النصائح «فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا» ونصرنا المؤمنين «وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ».
وبالمجموع تعطي الآية هذا المعنى: «إنّ نصر المؤمنين من المسلّم به هو في عهدتنا وهذا الوعد سنجعله عملياً دون الحاجة إلى نصر من الآخرين».
أمّا الآية الاخرى فتعود ثانية لذكر نعمة هبوب الرياح فتقول: «اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرّيحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِى السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا» [١]. أي القطع الصغيره المتراكمة ثم تخرج قطرات المطر منها على شكل حبات صغيرة: «فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِللِهِ» [٢].
ويضيف القرآن في نهاية الآية قائلًا: «فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ».
ثم تأتي الآية الاخرى بعدها فتقول: «وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ» [٣].
وإنّما يدرك هذا اليأس أو تلك البشارة أمثال العرب الذين يعيشون في رحلاتهم وتنقّلهم في الصحراء، ولحياتهم علاقة وصلة قريبة مع هذه القطرات.
[١] «الكِسَف»: جمع «كسفَة» ومعناها القطعة، وهي هنا- كما يبدو- إشارة إلى القطعات (من الغيوم) المتراكمة بعضها فوق بعض فتجعلها غليظة وشديدة، وذلك حين تكون الغيوم مهيأة لنزول المطر.
[٢] «الودق»: على وزن (الحلق)، وتطلق على ذرات الماء الصغيرة كمثل الغبار أحياناً، إذ تتناثر عند نزول الغيث في السماء، كما تطلق على قطرات «المطر» المتفرقة أحياناً.
[٣] «مبلس»: مأخوذة من مادة الإبلاس، ومعناها اليأس وعدم الرجاء.