مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٥
القرآن الكريم، بل بحثاً عن اندحار الروم وانتصارهم في المستقبل، ولكن مع التدقيق يتّضح أنّ هذا البحث يتحدث عن عظمة القرآن الكريم أيضاً ... لأنّ هذا الخبر الغيبي المرتبط بالمستقبل هو من دلائل إعجاز القرآن، وعظمة هذا الكتاب السماوي.
يقول القرآن بعد الحروف المقطعة: «غُلِبَتِ الرُّومُ فِى أَدْنَى الْأَرْضِ».
والمراد ب «أدنى الأرض» المكان القريب من بلاد فارس، أي إنّ المعركة وقعت في أقرب نقطة بين الفرس والروم.
ثم يضيف القرآن: «وَهُمْ مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ». وهم أي الروم.
ثم يبيّن الفترة القصيرة من هذه السنين بهذا التعبير: «فِى بِضْعِ سِنِينَ». والمعلوم أنّ «بضع» ما يكون أقله الثلاث وأكثره التسع.
وإذا أخبر اللَّه عن المستقبل، فلأنّه «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ».
إنّ هذه العبارة تريد أن توضح هذه اللطيفة، وهي أنّ القادر بالذات والمالك على الإطلاق هو اللَّه، وكل من لديه شيء فهو منه.
ثم يضيف القرآن: أنّه إذا فرح المشركون اليوم بانتصار الفرس على الروم فإنّه ستغلب الروم «وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ».
أجل، يفرحون «بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ».
إنّ المسلمين «المؤمنين» فرحوا في ذلك اليوم لجهات متعددة:
١- من إنتصار أهل الكتاب على المجوس، لأنّه ساحة لإنتصار الموحدين على المشركين.
٢- من الإنتصار المعنوي لظهور إعجاز القرآن.
٣- ومن الإنتصار المقارن لذلك الإنتصار، ويحتمل أن يكون صلح الحديبية، أو بعض فتوحات المسلمين الاخر.
ولزيادة التأكيد يضيف أيضاً: «وَعَدَ اللَّهِ لَايُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ». والسبب في عدم علم الناس، هو عدم معرفتهم باللَّه وقدرته، فهم لم يعرفوا اللَّه حق معرفته، فهم لا يعلمون هذه الحقيقة، وهي أنّ اللَّه محال عليه أن يتخلف عن وعده، لأنّ التخلف عن الوعد إمّا للجهل، أو للضعف وعدم القدرة، لكن اللَّه لا يتخلف عن الوعد، لأنّه يعرف عواقب الامور، وقدرته فوق كل شيء.
ثم يضيف القرآن معقباً: «يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْأَخِرَةِ هُمْ غفِلُونَ».