مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١ - ١٦ سورة النحل
النوع الأوّل: هم الذين يقعون في قبضة العدو الغاشم ويتحملون أذاه وتعذيبه، ولكنّهم لا يصبرون تحت ضغط ما يلاقوه من أعداء الإسلام، فيعلنون براءتهم من الإسلام وولاءهم للكفر، على أنّ ما يعلنوه لا يتعدى حركة اللسان، وأمّا قلوبهم فتبقى ممتلئة بالإيمان.
فهذا النوع يكون مشمولًا بالعفو الإلهي بلا ريب، بل لم يصدر منهم ذنب، لأنّهم قد مارسوا التقية التي أحلّها الإسلام لحفظ النفس وحفظ الطاقات للاستفادة منها في طريق خدمة دين اللَّه عزّ وجل.
النوع الثاني: هم الذين يفتحون للكفر أبواب قلوبهم حقيقةً، ويغيّرون مسيرتهم ويتخلّون عن إيمانهم، فهؤلاء يشملهم غضب اللَّه عزّ وجل وعذابه العظيم.
وتتطرق الآية التالية إلى أسباب ارتداد هؤلاء، فتقول: «ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَوةَ الدُّنْيَا عَلَى الْأَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَايَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» الذين يصرّون على كفرهم وعنادهم.
وخلاصة المقال: حين أسلم هؤلاء تضررت مصالحهم المادية وتعرضت للخطر المؤقت، فندموا على إسلامهم لشدة حبّهم لدنياهم، وعادوا خاسئين إلى كفرهم.
وبديهي أنّ من لا يرغب في الإيمان ولا يسمح له بالدخول إلى أعماق نفسه، لا تشمله الهداية الإلهية.
وتأتي الآية الاخرى لتبيّن سبب عدم هدايتهم، فتقول: «أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ» بحيث إنّهم حُرموا من نعمة الرؤية والسمع وإدراك الحقائق:
«وَأُولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ».
إنّ ارتكاب الذنوب وفعل القبائح يترك أثره السلبي على إدراك الإنسان للحقائق، وتغلق أبواب روحه من تقبّل أيّة حقيقة.
ثم تعرض الآية التالية عاقبة أمرهم، فتقول: «لَاجَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْأَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ».
وهل هناك من هو أتعس حالًا من هذا الإنسان الذي خسر جميع طاقاته وإمكاناته لنيل السعادة الدائمة بإتباعه هوى النفس.
وبعد ذكر الفئتين السابقتين، أي الذين يتلفظون بكلمات الكفر وقلوبهم ملأى بالإيمان، والذين ينقلبون إلى الكفر مرّة اخرى بكامل اختيارهم ورغبتهم، فبعد ذلك تتطرق الآية التالية إلى فئة ثالثة وهم البسطاء المخدوعون في دينهم، فتقول: «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ».
فالآية دليل واضح على قبول توبة المرتد.