مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٦ - ٢٦ سورة الشّعراء
باللطف والمحبة: «وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ». وهذا التعبير الجميل الرائع كناية عن التواضع المشفوع بالمحبة واللطف، كما أنّ الطيور تخفض أجنحتها لأفراخها محبة منها لها، وتجعلها تحت أجنحتها لتكون مصانةً من الحوادث المحتملة، ولتحفظها من التشتت والتفرّق، فكذلك الأمر بالنسبة للنبي إذ امر أن يخفض جناحه للمؤمنين الصادقين.
ثم تأتي المرحلة الرابعة وهي أنّ الأعداء لم يقبلوا دعوتك وعصوا أوامرك. فلا تبتئس ولا تحزن: «فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّى بَرِىءٌ مّمَّا تَعْمَلُونَ». أي إذا لم يذعنوا بعد دعوتك إياهم للحق، وواصلوا شركهم وعنادهم، فعليك أن تبيّن موقفك منهم.
وأخيراً فالأمر الالهي الخامس للنبي صلى الله عليه و آله لإكمال مناهجه السابقة، هو: «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ».
ذلك اللَّه «الَّذِى يَرَيكَ حِينَ تَقُومُ* وَتَقَلُّبَكَ فِى السجِدِينَ».
أجل، «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».
وهكذا تذكر الآيات ثلاث صفات للَّهبعد وصفه بالعزيز الرحيم وكل منها يمنح الأمل ويشدّ من عزم النبي على مواصلة طريقة، إذ أنّ اللَّه يرى جهوده وأتعابه وحركاته وسكناته، وقيامه وسجوده وركعاته.
ذلك اللَّه الذي يسمع صوته.
اللَّه الذي يعلم حاجاته وطلباته حاجته.
«التقلب»: معناه الحركة والإنتقال من حال إلى حال، وهذا التعبير لعله إشارة إلى سجود النبي صلى الله عليه و آله بين الساجدين في أثناء الصلاة، أو إلى حركة النبي صلى الله عليه و آله وتنقله بين أصحابه وهم مشغولون بالعبادة، وكان يتابع أحوالهم ويسأل عنهم.
وفي المجموع فإنّ هذا التعبير إشارة إلى أنّ اللَّه سبحانه لا يخفى عليه شيء من حالاتك وسعيك، سواءً كانت شخصية فردية، أم كانت مع المؤمنين في صورة جماعية، لتدبير امور العباد ولنشر مبدأ الحق.
إنذار الأقربين (حديث يوم الدار): وفقاً لما ورد في التواريخ الإسلامية، امر النبي في السنة الثالثة بدعوته الأقربين من عشيرته، فدعا النبي صلى الله عليه و آله «عشيرته» إلى بيت عمّه أبي طالب، وكانوا في ذلك اليوم حوالي أربعين رجلًا.