مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٧ - ٢٥ سورة الفرقان
إلهي، إنّ الناس قد هجروا القرآن: كما تناولت الآيات السابقة أنواعاً من ذرائع المشركين والكافرين المعاندين، تتناول الآية الاولى في مورد البحث هنا حزن وشكاية الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله بين يدي اللَّه عزّ وجل من كيفية تعامل هذه الفئة مع القرآن، فتقول: «وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا».
قول الرسول صلى الله عليه و آله هذا، وشكواه هذه، مستمران إلى هذا اليوم من فئة عظيمة من المسلمين، يشكو بين يدي اللَّه أنّهم دفنوا القرآن بيد النسيان، القرآن الممتلىء ببرامج الحياة، هجروا هذا القرآن فمدّوا يد الإستجداء إلى الآخرين، حتى في القوانين المدنية والجزائية.
إنّ القرآن بينهم كتاب للمراسم والتشريفات، يذيعون ألفاظه وحدها بأصوات عذبة عبر محطات البث، ويستخدمونه في زخرفة المساجد بعنوان الفن المعماري، ولافتتاح منزل جديد، أو لحفظ مسافر، وشفاء مريض، وعلى الأكثر للتلاوة من أجل الثواب.
تقول الآية التي بعدها في مواساة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، حيث كان يواجه هذا الموقف العدائي للخصوم: «وَكَذلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ».
لست وحدك قدواجهت هذه العداوة الشديدة لهذه الفئة، فقد مرّ جميع الأنبياء بمثل هذه الظروف، حيث كان يتصدى لمخالفتهم فريق من (المجرمين) فكانوا يناصبونهم العداء.
ولكن إعلم أنّك لست وحيداً، وبلا معين، «وَكَفَى بِرَبّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا». فلا وساوسهم تستطيع أن تضلك، لأنّ اللَّه هاديك، ولا مؤامراتهم تستطيع أن تحطمك، لأنّ الخالق معينك، الخالق الذي علمه فوق كل العلوم، وقدرته أقوى من كل القدرات.
الآية التي بعدها تشير أيضاً إلى ذريعة اخرى من ذرائع هؤلاء المجرمين المتعللين بالمعاذير، فتقول: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً».
واساساً فقد كان الأفضل للنبي صلى الله عليه و آله أيضاً أن يكون ذا اطلاع على جميع هذا القرآن دفعة واحدة، كيما يجيب الناس فوراً على كل ما يسألونه ويريدون منه.
ولكن القرآن في تتمة هذه الآية نفسها يجيبهم: «وَكَذلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنهُ تَرْتِيلًا».
إنّ القرآن مجموعة من أوامر ونواهي، أحكام وقوانين، تاريخ وموعظة، ومجموعة من الخطط ذات المدى الطويل أو القصير في مواجهة الأحداث التي كانت تبرز أمام مسير الامة