مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٤ - ٢٥ سورة الفرقان
الآية التي بعدها تجسد مصير أعمال هؤلاء المجرمين في الآخرة، فتقول: «وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنهُ هَبَاءً مَّنثُورًا». يعني أنّ أعمال اولئك لا قيمة لها ولا اثر إلى حدّ كأنّهم لم يعملوا شيئاً، لأنّ الشيء الذي يعطي عمل الإنسان الشكل والمحتوى، هو النية وغاية العمل النهائية، فأهل الإيمان يتوجهون لإنجاز أعمالهم بدافع إلهي وعلى أساس أهداف مقدسة طاهرة، في حين أنّ من لا إيمان لهم، فغالباً يقعون أسارى التظاهر والرياء والغرور والعجب، فيكون سبباً في انعدام أية قيمة لأعمالهم.
وبما أنّ القرآن- عادة- يضع الحسن والسيء متقابلين حتى يتّضح وضع كل منهما بالمقايسة فإنّ الآية التي بعدها تتحدث عن أهل الجنة فتقول: «أَصْحبُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا». «مستقر»: بمعنى محل الإستقرار؛ و «مقيل»: بمعنى محل الإستراحة في منتصف النهار، من مادة «قيلولة»، وقد جاءت بمعنى النوم منتصف النهار.
٢٥/ ٢٦- ٢٥ وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَ نُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَ كَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً (٢٦)
تشقق السماء بالغمام: مرّة اخرى يواصل القرآن في هذه الآيات البحث حول القيامة، ومصير المجرمين في ذلك اليوم، فيقول أوّلًا: إنّ يوم محنة وحزن المجرمين هو ذلك اليوم الذي تنشق فيه السماء بواسطة الغيوم: «وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَممِ وَنُزّلَ الْمَلِكَةُ تَنزِيلًا».
«الغمام»: من «الغم» بمعنى ستر الشيء، لذلك فالغيم الذي يغطي الشمس يقال له «الغمام»، وكذلك الحزن الذي يغطي القلب يسمّونه «الغم».
هذه الآية ردّ على طلبات المشركين، وعلى إحدى ذرائعهم، لأنّهم كانوا يتوقعون أن يأتي اللَّه والملائكة طبقاً لأساطيرهم وخرافاتهم من خلال الغيم، فيدعونهم إلى الحق، وفي أساطير اليهود جاء- أيضاً- أنّ اللَّه أحياناً يظهر ما بين الغيوم.
والمقصود من تشقق السماء بالغمام، هو أن ترتفع حجب العالم المادي عن عين الإنسان من جهة، فيشاهد عالم ماوراء الطبيعة، ومن جهة اخرى ستتلاشى الأجرام السماوية، وتظهر الغيوم الانفجارية، فتبرز التشققات ما بينها في ذلك اليوم، يوم نهاية هذا العالم وبداية النشور، يوم أليم جدّاً للمجرمين الظالمين المعاندين الذين لا إيمان لهم.
بعد ذلك يتناول القرآن الكريم أوضح علائم ذلك اليوم فيقول: «الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ».