مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩١ - ٢٥ سورة الفرقان
فيسأل المعبودين: «فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ».
ففي الإجابة: «قَالُوا سُبْحنَكَ مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ».
فليس فقط أنّنا لم ندعهم إلى أنفسنا، بل إنّنا كنّا نعترف بولايتك وربوبيتك، ولم نقبل غيرك معبوداً لنا ولغيرنا.
وكان سبب انحراف أولئك هو: أنّ اللَّه تعالى رزقهم الكثير من مواهب الدنيا ونعيمها فتمتعوا هم وآباءهم وبدلًا من شكر اللَّه تعالى غرقوا في هذه الملذات ونسوا ذكر اللَّه: «وَلكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذّكْرَ». فالحياة المرفهة لجماعة ضيقة الأفق، ضعيفة الإيمان، تبعث على الغرور، ولهذا هلكوا واندثروا «وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا».
«بور»: من مادة «بوار» وهي في الأصل بمعنى شدّة كساد الشيء، ولأنّ شدّة الكساد تبعث على الفساد، فهذه الكلمة بمعنى الفساد، ثم اطلقت بعد هذا على الهلاك.
وعلى هذا فإنّ قوله تعالى: «وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا» إشارة إلى أنّ هذا الفريق على أثر انغماسهم في الحياة المادية المرفهة، ونسيانهم اللَّه واليوم الآخر، صاروا إلى الفساد والهلكة.
هنا يوجّه اللَّه تبارك وتعالى الخطاب إلى المشركين فيقول: «فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ».
لأنّ الأمر هكذا، وكنتم أنتم قد أضللتم أنفسكم فليس لديكم القدرة على دفع العذاب عنكم: «فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا».
لا شك أنّ «الظلم» له مفهوم واسع، ومع أنّ موضوع البحث في الآية هو «الشرك» الذي هو أحد المصاديق الجلية للظلم، إلّا أنّه لا يقدح بعمومية المفهوم.
والملفت للنظر أنّ «من يظلم» جاءت بصيغة الفعل المضارع، وهذا يدل على أنّ القسم الأوّل من البحث وإن كان مرتبطاً بمناقشات البعث، لكن الجملة الأخيرة خطاب لهم في الدنيا، لعل قلوب المشركين تصبح مستعدة لقبول الإيمان على أثر سماعها محاورات العبابدين والمعبودين في القيامة، فيحوّل الخطاب من القيامة إلى الدنيا فيقول لهم: «وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا».
٢٥/ ٢٠ وَ مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَ جَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَ كَانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠)