مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٩ - ٢٣ سورة المؤمنون
والمراد بهذا العذاب أنّه العقاب الدنيوي الذي ابتلى اللَّه به المشركين.
وتأكيداً لهذا الموضوع ولنفي كل شك لدى الأعداء، ولتسلية خاطر الرسول صلى الله عليه و آله والمؤمنين، أضافت الآية اللاحقة: «وَإِنَّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقدِرُونَ».
ولقد تجلّت قدرة اللَّه سبحانه في ساحات مختلفة بعد ذلك.
ثم يأمر اللَّه الرسول صلى الله عليه و آله باتباع سياسة اللين في الدعوة إلى الهدى ودين الحق: «ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيّئَةَ» [١]. أي: ادفع عدوانهم وسيئاتهم بالعفو والصفح والإحسان، وكلامهم البذي بالكلام المنطقي الموزون: «نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ». واللَّه يعلم أنّ أعمالهم القبيحة وكلامهم البذيء وأذاهم القاسي يؤلم الرسول صلى الله عليه و آله، إلّاأنّه عزّ وجل يدعو إلى عدم الردّ بالمثل، بل يوجب أن يكون الردّ بالتي هي أحسن. وهذا خير سبيل لإيقاظ الغافلين والمخدوعين.
ثم نقرأ أمراً ربّانياً بالإستعاذة باللَّه من مكائد الشيطان: «وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيطِينِ». إنّه دعاء بالإنقاذ من تربّص الشيطان ومكره الخفي، ولا يقف الدعاء عند همزات الشياطين بل يستمر في الإستعاذة من حضورهم عنده: «وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونَ». أي: حضور الشياطين في اجتماعات النبي صلى الله عليه و آله الذي يؤدّي إلى إغفال المجتمعين وإضلالهم، فعلى محبّي الحق والذابّين عنه وناشديه أن يفوّضوا أمرهم إلى اللَّه، ليحفظهم من وساوس الشياطين ومكائدهم.
٢٣/ ١٠٠- ٩٩ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَ مِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)
طلب المستحيل: تابعت هاتان الآيتان ما تناولته الآيات السابقة من عناد المشركين والمذنبين وتمسكهم بالباطل، فتناولت حالهم الوخيم حين الموت. وأنّهم يستمرون في باطلهم: «حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ».
حينما يجبر المذنب والمشرك على ترك الدنيا لينتقل إلى عالم آخر، تزول عنه حجب الغفلة والغرور، فيرى بام عينه مصيره المؤلم، فلا مال ولا جاه، فقد عاد كل ما يعنيه هباءً في
[١] والجدير بالذكر أنّ هذا الأمر خاصّ بحالات لا يسيء العدو الاستفادة من هذا المبدأ.