مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٢ - ٢٣ سورة المؤمنون
أمّا الأشراف الأثرياء والمغرورون والملأ من الناس، وهم اللذين يملأون العين في ظاهرهم، والفارغون في واقعهم من قوم نوح عليه السلام: «فَقَالَ الْمَلَؤُا الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هذَا إِلَّا بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ». وبهذا اعتبروا أوّل عيب له كونه إنساناً فاتّهموه بالسلطوية، وحديثه عن اللَّه والتوحيد والدين والعقيدة مؤامرة لتحقيق أهدافه، ثم أضافوا: «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلِكَةً». ولإتمام هذا الاستدلال الخاوي قالوا: «مَّا سَمِعْنَا بِهذَا فِى ءَابَائِنَا الْأَوَّلِينَ».
إلّا أنّ هذا الكلام الفارغ لم يؤثّر في معنويات هذا النبي الكبير، حيث واصل دعوته إلى اللَّه، ولم يكن في عمله دليل على رغبته في الحصول على إمتياز على الآخرين، أو أن يتسلط عليهم، لهذا لجأوا إلى توجيه تهمة اخرى إليه، هي الجنون الذي كان يتّهم به جميع أنبياء اللَّه عبر التاريخ، حيث قالوا: «إِن هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ».
/ ٣٠- ٢٦ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَ وَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَ فَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَ لَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَ قُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكاً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)
خاتمة حياة قوم معاندين: استعرضت الآيات السابقة التهم التي وجّهها أعداء نوح عليه السلام إليه، إلّاأنّه يستدلّ من آيات قرآنية اخرى- بشكل واضح- أن أذى القوم المعاندين لنوح عليه السلام لم يتحدّد بهذه الامور، بل شمل كل وسيلة يمكن بها إيذاؤه، في حين بذل جميع ما في وسعه في سبيل هدايتهم وإنقاذهم من براثن الشرك والكفر. وعندما يئس منهم حيث لم يؤمن بما جاء به إلّامجموعة صغيرة، دعا اللَّه ليعينه، حيث نقرأ في الآية الاولى: «قَالَ رَبّ انصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ».
هنا نزل الوحي الإلهي، من أجل التمهيد لإنقاذ نوح عليه السلام وأصحابه القلّة وهلاك المشركين المعاندين «فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا».