مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٧ - ٢١ سورة الأنبياء
ولهذا يعتبرون هذه الآية إشارة إلى خاتمية نبي الإسلام، لأنّ وجوده رحمة وقدوة لكل الناس إلى نهاية الدنيا.
ولمّا كان أهمّ مظهر من مظاهر الرحمة، وأثبت دعامة لذلك هي مسألة التوحيد وتجلياته، فإنّ الآية التالية تقول: «قُلْ إِنَّمَا يُوحِى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ».
وهذه الآية في الواقع تشير إلى ثلاث نقاط مهمة:
الاولى: إنّ التوحيد هو الدعامة الأساسية للرحمة، التوحيد في الإعتقاد، وفي العمل، والتوحيد في الكلمة، وتوحيد الصفوف، وفي القانون وفي كل شيء.
الثانية: إنّ كل دعوات الأنبياء تتلخص في أصل التوحيد، والتوحيد كالروح السارية في البدن.
والنقطة الثالثة: إنّ المشكلة الأساسية في جميع المجتمعات هي التلوّث بالشرك بأشكال مختلفة، لأنّ جملة «فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ» توحي بأنّ المشكلة الأساسية هي الخروج من الشرك ومظاهره، ورفع اليد عن الأصنام وتحطيمها، ليس الأصنام الحجرية والخشبية فحسب، بل كل الأصنام، وفي أيّ شكل كانت، وخاصة طواغيت البشر.
ثم تقول الآية التالية: إنّهم إذا لم يذعنوا ويهتمّوا لدعواتنا ونداءاتنا هذه «فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ». «آذنت»: من مادة الإيذان، أي الإعلان المقترن بالتهديد، والظاهر أنّ النبي أراد بهذا الكلام أن يعلن تنفّره وإبتعاده عن اولئك، ويبيّن بأنّه قد يئس منهم تماماً.
ثم يبيّن هذا التهديد بصورة أوضح، فيقول بأنّي لا أعلم هل أنّ موعد عذابكم قريب أم بعيد: «وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ». فلا تظنّوا أنّ هذا الوعيد بعيد، فربّما كان قريباً وقريباً جدّاً.
قد يكون المراد من العذاب والعقوبة هنا عذاب القيامة، أو عذاب الدنيا، أو كليهما، ففي الصورة الاولى هو مختص بعلم اللَّه، ولا يعلم أيّ أحد تاريخ وقوع القيامة بدقة حتى أنبياء اللَّه، وفي الصورة الثانية والثالثة يمكن أن يكون إشارة إلى جزئياته وزمانه، وأنا لا أعلم بجزئياته.
ثم إنّكم لا ينبغي أن تتوهّموا أنّ عقوبتكم إذا تأخّرت فهذا يعني أنّ اللَّه غير مطّلع على أعمالكم وأقوالكم، فهو يعلم كل شيء، ف «إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ».
فإنّ الجهر والإخفاء له معنى بالنسبة لكم حيث إنّ علمكم محدود عادةً، أمّا بالنسبة لمن لا حدود لعلمه، فإنّ الغيب والشهادة، والسرّ والعلن سواء لديه.