مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٢ - ٢١ سورة الأنبياء
٢١/ ٧٠- ٦٨ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَ أَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)
عندما تصير النار جنة: مع أنّ عبدة الأوثان اسقط ما في أيديهم نتيجة إستدلالات إبراهيم العلمية والمنطقية، إلّاأنّ عنادهم وتعصبهم الشديد منعهم من قبول الحق، ولذلك فلا عجب من أن يتخذوا قراراً صارماً وخطيراً في شأن إبراهيم. يقول القرآن الكريم: «قَالُوا حَرّقُوهُ وَانصُرُوا ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فعِلِينَ».
فقد قالوا الكثير من أمثال هذه الخزعبلات وأثاروا الناس ضدّ إبراهيم بحيث إنّهم لم يكتفوا بعدّة حزم من الحطب تكفي لإحراق عدّة أشخاص، بل أتوا بآلاف الحزم وألقوها حتى صارت جبلًا من الحطب. فقد القي إبراهيم في النار وسط زغاريد الناس وسرورهم وصراخهم، وقد أطلقوا أصوات الفرح ظانّين أنّ محطّم الأصنام قد فني إلى الأبد وأصبح تراباً ورماداً.
لكن اللَّه الذي بيده كل شيء حتى النار لا تحرق إلّابإذنه، شاء أن يبقى هذا العبد المؤمن المخلص سالماً من لهب تلك النار الموقدة ليضيف وثيقة فخر جديدة إلى سجل إفتخاراته، وكما يقول القرآن الكريم: «قُلْنَا يَا نَارُ كُونِى بَردًا وَسَلمًا عَلَى إِبْرهِيمَ».
لا شك أنّ أمر اللَّه هنا كان أمراً تكوينياً، كالأمر الذي يصدره في عالم الوجود إلى الشمس والقمر، والأرض والسماء، والماء والنار، والنباتات والطيور.
والمعروف أنّ النار قد بردت برداً شديداً إصطكّت أسنان إبراهيم منه، وحسب قول بعض المفسرين: إنّ اللَّه سبحانه لو لم يقل: سلاماً، لمات إبراهيم من شدة البرد.
ويقول اللَّه سبحانه في آخر آية من الآيات محل البحث على سبيل الاستنتاج بإقتضاب:
أنّهم تآمروا عليه ليقتلوه ولكن النتيجة لم تكن في صالحهم «وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ».
لا يخفى أنّ الوضع قد إختلف تماماً ببقاء إبراهيم سالماً، وخمدت أصوات الفرح. غير أنّ العناد ظلّ مانعاً من قبول الحق، وإن كان أصحاب القلوب الواعية قد استفادوا من هذه الواقعة، وزاد إيمانهم مع قلّتهم.