مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٩ - ٢٠ سورة طه
وبما أنّ بعض الغارقين في الذنوب والمعاصي قد يحتمل أن تنالهم شفاعة الشافعين وتنجيهم، فإنّه يضيف مباشرة: «يَوْمَئِذٍ لَّاتَنفَعُ الشَّفعَةُ إِلَّا مَن أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا». وهذا إشارة إلى أنّ الشفاعة هناك ليست إعتباطية وعشوائية، بل إنّ هناك تخطيطاً دقيقاً لها، سواء ما يتعلق بالشافعين أو المشفوع لهم، وما دام الأفراد لا يملكون الأهلية والاستحقاق للشفاعة، فلا معنى حينئذ لها.
ولمّا كان حضور الناس في عرصات القيامة للحساب والجزاء لابدّ معه من علم اللَّه سبحانه بأعمالهم وسلوكهم ومعاملاتهم، فإنّ الآية التالية تضيف: «يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا». فهو يعلم ما قدّم المجرمون وما فعلوه في الدنيا، وهو مطّلع على كل أفعالهم وأقوالهم ونيّاتهم في الماضي وما سيلاقونه من الجزاء في المستقبل، إلّاأنّهم لا يحيطون بعلم اللَّه، وبهذا فإنّ إحاطة علم اللَّه سبحانه تشمل العلم بأعمال هؤلاء وبجزائهم، وهذان الركنان في الحقيقة هما دعامة القضاء التام العادل.
في ذلك اليوم: «وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَىّ الْقَيُّومِ».
«العنت»: من مادة العنوة، وقد وردت بمعنى الخضوع والذلة، ولذلك يقال للأسير:
«عاني»، لأنّه خاضع وذليل في يد الآسر، وإذا رأينا الخضوع قد نسب إلى الوجوه هنا، فلأنّ كل الإحساسات النفسية، ومن جملتها الخضوع، تظهر آثارها أوّلًا على وجه الإنسان.
إنّ إنتخاب صفتي «الحي والقيوم» هنا من بين صفات اللَّه سبحانه، لأنّهما يناسبان النشور أو الحياة وقيام الناس جميعاً من قبورهم «يوم القيامة».
وتختتم الآية بالقول: «وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا» فالظلم والجور كالحمل العظيم الذي يثقل كاهل الإنسان، ويمنعه من السير والرقي إلى نعم اللَّه الخالدة.
ولمّا كانت طريقة القرآن غالباً هي بيان تطبيقي للمسائل، فإنّه بعد أن بيّن مصير الظالمين في ذلك اليوم، تطرّق إلى بيان حال المؤمنين فقال: «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا» [١].
التعبير ب «مِنَ الصَّالِحَاتِ» إشارة إلى أنّهم إن لم يستطيعوا أن يعملوا كل الصالحات فليقوموا ببعضها، لأنّ الإيمان بدون العمل الصالح كالشجرة بلا ثمرة، كما أنّ العمل الصالح
[١] «الهضم»: بمعنى النقص، وإذا قيل لجذب الغذاء إلى البدن: هضم، فلأنّ الغذاء يقلّ ظاهراً وتبقى فضلاته.