مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٤ - ٢٠ سورة طه
فرعون يُهيّء نفسه للجولة الأخيرة: تعكس هذه الآيات مرحلة اخرى من المواجهة بين موسى وفرعون، ويبدأ القرآن الكريم هذا الفصل بهذه الجملة: «وَلَقَدْ أَرَيْنهُ ءَايَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى». ومن المسلّم أنّ المراد من هذه الآيات هي المعجزات التي أراها فرعون في بداية دعوته، معجزة العصا، واليد البيضاء، ومحتوى دعوته السماوية الجامعة.
والآن، لنر ماذا قال فرعون الطاغي المستكبر العنود في مقابل موسى ومعجزاته، وكيف اتّهمه كما هي عادة كل المتسلطين والحكّام المتعنّتين؟ «قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يمُوسَى». وهو إشارة إلى أنّنا نعلم أنّ مسألة النبوة والدعوة إلى التوحيد، وإظهار هذه المعجزات تشكّل بمجموعها خطّة منسّقة للإنتصار علينا، وبالتالي إخراجنا مع الأقباط من أرض آبائنا وأجدادنا.
إنّ هذه التهمة هي نفس الحربة التي يستخدمها الطواغيت والمستعمرون على إمتداد التاريخ، ويلوحون بها ويشهرونها كلّما رأوا أنفسهم في خطر، ومن أجل إثارة الناس لصالحهم يثيرون مسألة تعرّض مصالح البلد للخطر، فالبلد يعني حكومة هؤلاء العتاة، ووجوده يعني وجودهم!
ثم أضاف فرعون بأن لا تظن بأنّنا نعجز عن أن نأتي بمثل هذا السحر: «فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مّثْلِهِ». ولكي يظهر حزماً أكثر فإنّه قال: «فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّانُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى».
إلّا أنّ موسى لم يفقد هدوء أعصابه، ولم يدع للخوف من عنجهيّة فرعون إلى قلبه طريقاً، بل قال بحزم: «قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى» [١].
إنّ التعبير ب «يَوْمُ الزّينَةِ» إشارة إلى يوم عيد إلّاأنّ المهم هو أنّ الناس كانوا يعطّلون أعمالهم فيه.
إنّ فرعون بعد مشاهدة معجزات موسى العجيبة، وتأثيرها النفسي في أنصاره، صمّم على مواجهة موسى عليه السلام بالإستعانة بالسّحرة، ولذلك وضع الإتفاق المذكور مع موسى «فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى».
وأخيراً حلّ اليوم الموعود، ووقف موسى أمام جميع الحاضرين، الذين كان بعضهم
[١] «الضحى»: بمعنى زيادة أشعّة الشمس، أو إرتفاع الشمس.