مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٢ - ١٩ سورة مريم
أيمكن أن يكون للَّهولد؟! بعد تجسيد القرآن الكريم في الآيات السابقة حادثة ولادة المسيح عليه السلام بصورة حيّة وواضحة جدّاً، انتقل إلى نفي الخرافات وكلمات الشرك التي قالوها في شأن عيسى، فيقول: «ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ». خاصّة وأنّه يؤكّد على كونه «ابن مريم» ليكون ذلك مقدمة لنفي بنوّته للَّهسبحانه. ثم يضيف: «قَوْلَ الْحَقّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ».
وتقول الآية التالية بصراحة: «مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحنَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ». وهذا إشارة إلى أنّ اتخاذ الولد- كما يظن المسيحيون في شأن اللَّه- لا يناسب قداسة مقام الألوهية والربوبية، فهو يستلزم من جهة الجسمية، ومن جانب آخر المحدودية، ومن جهة ثالثة الإحتياج.
إنّ تعبير «كُن فَيَكُونُ» تجسيد حي جدّاً عن مدى سعة قدرة اللَّه، وتسلطه وحاكميته في أمر الخلقة.
١٩/ ٤٠- ٣٦ وَ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ وَ هُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْهَا وَ إِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)
إنّ آخر كلام لعيسى عليه السلام بعد تعريفه لنفسه بالصفات التي ذكرت، هو التأكيد على مسألة التوحيد، وخاصة في مجال العبادة، فيقول: «وَإِنَّ اللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ».
وعلى هذا فإنّ عيسى عليه السلام بدأ بمحاربة كل أنواع الشرك وعبادة الآلهة المزدوجة والمتعددة منذ بداية حياته.
غير أنّه بالرغم من كل هذه التأكيدات التي أكّد عليها المسيح عليه السلام في مجال التوحيد وعبادة اللَّه، فقد اختلفت الفئات، وأظهروا اعتقادات مختلفة، وخاصة في شأن المسيح:
«فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ».
إنّ تاريخ المسيحية يشهد بوضوح على مدى الاختلاف الذي حصل بعد المسيح عليه السلام في شأنه، وحول مسألة التوحيد.
فذهب البعض: إنّ المسيح هو اللَّه الذي نزل إلى الأرض! فأحيى جماعة، وأمات اخرى، ثم صعد إلى السماء!