مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٨ - ١٨ سورة الكهف
اخرى: «الكلمة» لفظ يدل على المعنى، وبما أنّ كل موجود من موجودات هذا العالم هو دليل على علم وقدرة الخالق، لذا فإنّه يطلق في بعض الأحيان على كل موجود اسم (كلمة اللَّه) ويختص هذا التعبير أكثر بالموجودات المهمة العظيمة.
وفي الآية التي نبحثها فإنّ (كلمة) قد استخدمت بهذا المعنى، أي إشارة إلى موجودات عالم الوجود التي تدل كل واحدة فيه على الصفات المختلفة للَّهتبارك وتعالى.
إنّ القرآن يلفت أنظارنا في هذه الآية إلى هذه الحقيقة وهي: لا تظنّوا أنّ عالم الوجود محدود بما تشاهدونه أو تعلمونه أو تحسّونه، بل هو على قدر من السعة والعظمة بحيث لو أنّ البحار تتحوّل إلى حبر، وتكتب صفاته وخصائصه، فإنّها- أي البحار- ستجف قبل أن تحصي موجودات عالم الوجود.
وينبغي الإنتباه هنا إلى أنّ الآية أعلاه في الوقت الذي تجسّد فيه سعة عالم الوجود اللامتناهية في الماضي والحاضر والمستقبل، فإنّها توضّح- أيضاً- العلم المطلق وغير المحدود للخالق جلّ وعلا، لأنّنا نعلم أنّ اللَّه سبحانه وتعالى يحيط علمه بما كان موجوداً في عالم الوجود، وبما سيكون موجوداً، وفي الوقت الذي يعتبر فيه علم اللَّه تعالى «علماً حضورياً» فإنّه لا يفترق عن وجود هذه الموجودات (فدقق في ذلك).
إذن نستطيع أن نقول: لو أنّ جميع المحيطات وبحار الأرض تحوّلت إلى حبر ومداد، ولو أنّ كافة الأشجار تحوّلت إلى أقلام، فإنّ ذلك كلّه لا يستطيع الإحاطة بما هو موجود في علم الخالق جلّ وعلا.
العدد الحي هو العدد الذي تنشغل أفكارنا به، ويجسّد الحقائق كما هي ويملك روحاً ولساناً وعظمة.
والقرآن الكريم بدلًا من أن يقول: إنّ مخلوقات عالم الوجود تتجاوز في كثرتها الرقم الذي تقع على يمينه مئات الكيلومترات من الأصفار، يقول: إذا تحوّلت جميع الأشجار إلى أقلام، وكل البحار إلى مواد وحبر، فإنّ الأقلام ستتكسر ومياه البحار ستنتهي، ولا تنتهي أسرار ورموز وحقائق عالم الوجود، هذه الأسرار التي يحيط بها جميعاً علم اللَّه تعالى.
الآية الثانية في البحث والتي هي آخر آية في سورة الكهف، عبارة عن مجموعة من