مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦ - ١٦ سورة النحل
سورة الأنفال: «قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذَا».
والملاحظ على مستكبري يومنا توسلهم بنفس تلك التهم الباطلة هروباً من الحق وإضلالًا للآخرين، ووصلت بهم الحماقة لأن يعتبروا منشأ الدين من الجهل البشري، وما الآراء الدينية إلّاأساطير وخرافات، حتى أنّهم اثبتوا ذلك في كتب (علم الاجتماع ودوّنوه بصياغة (علمية) كما يدّعون). أمّا لو نفذنا في أعماق تفكيرهم لوجدنا صورة اخرى: فهم لم يحاربوا الأديان والمذاهب الخرافية المجعولة أبداً، فهم مؤسسوها والداعون لنشرها، إنّما محاربتهم للأصالة والدين الحق الذي يوقظ الفكر الإنساني ويحطّم الأغلال الاستعمارية ويقطع دابر المنحرفين عن جادة الصواب.
توضّح الآية الاخرى أعمالهم بالقول: «لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيمَةِ وَمِن أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ».
ثم تتحرك الآية الاخرى لتقرر أنّ تهمة وصف الوحي الإلهي بأساطير الأوّلين ليست بالأمر المستجد: «قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْينَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتهُمُ الْعَذَابُ مِن حَيْثُ لَايَشْعُرُونَ».
ومن لطيف دقّة العبارة القرآنية، أنّ الآية أشارت إلى أنّ اللَّه عزّ وجل لا يدمرّ البناء العلوي للمستكبرين فحسب، بل سيدمّره من القواعد لينهار بكله عليهم.
وقد يكون تخريب القواعد وإسقاط السقف إشارة إلى أبنيتهم الظاهرية، من خلال الزلازل والصواعق لتنهار على رؤوسهم، وقد يكون إشارة إلى قلع جذور تجمعاتهم وأحزابهم بأمر اللَّه عزّ وجل، بل لا مانع من شمول الأمرين معاً.
وعذابهم في الحياة الدنيا لا يعني تمام الجزاء، بل تكملته ستكون يوم الجزاء الأكبر «ثُمَّ يَوْمَ الْقِيمَةِ يُخْزِيهِمْ».
فيسألهم اللَّه تعالى: «وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ». أي تجادلون وتعادون فيهم، فلا يتمكنون من الإجابة، ولكن: «قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ».
وهو نوع من العذاب الروحي، ويصف ذيل الآية السابقة حال الكافرين بالقول:
«الَّذِينَ تَتَوَفهُمُ الْمَلِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ».