مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٧ - ١٨ سورة الكهف
فتقول: «وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنبٍ وَحَفَفْنهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا».
البستان والمزرعة كان فيهما كل شيء: العنب والتمر والحنطة وباقي الحبوب، لقد كانت مزرعة كاملة ومكفية من كل شيء: «كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مّنْهُ شَيًا».
والأهم من ذلك هو توفّر الماء الذي يعتبر سرّ الحياة، وأمراً مهماً لا غنى للبستان والمزرعة عنه، وقد كان الماء بقدر كاف: «وَفَجَّرْنَا خِللَهُمَا نَهَرًا».
على هذا الأساس كانت لصاحب البستان كل أنواع الثمار: «وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ».
ولأنّ الدنيا قد استهوته فقد أصيب بالغرور لضعف شخصيته وشعر بالأفضلية والتعالي على الآخرين، حيث إلتفت وهو بهذه الحالة إلى صاحبه: «فَقَالَ لِصحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا».
لقد تضخّم هذا الإحساس ونما تدريجياً- كما هو حاله- ووصل صاحب البستان إلى حالة بدأ يظن معها أنّ هذه الثروة والمال والجاه والنفوذ إنّما هي امور أبدية، فدخل بغرور إلى بستانه (في حين أنّه لا يعلم بأنّه يظلم نفسه) ونظر إلى أشجاره الخضراء التي كادت أغصانها أن تنحني من شدّة ثقل الثمر، وسمع صوت الماء الذي يجري في النهر القريب من البستان والذي كان يسقي أشجاره، وبغفلة قال: لا أظن أن يفنى هذا البستان، وبلسان الآية وتصوير القرآن الكريم: «وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا».
بل عمد إلى ما هو أكثر من هذا، إذ بما أنّ الخلود في هذا العالم بتعارض مع البعث والمعاد، لذا فقد فكّر في إنكار القيامة وقال: «وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً». وهذا كلام يعكس وهم قائله وتمنّياته.
ثم أضاف: حتى لو فرضنا وجود القيامة فإنّي بموقعي ووجاهتي سأحصل عند ربي- إذا ذهبت إليه- على مقام وموقع أفضل، لقد كان غارقاً في أوهامه: «وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا».
لقد أخذ صاحب البستان ضمن الحالة النفسية التي يعيشها والتي صوّرها القرآن الكريم، يضيف إلى نفسه في كل فترة وهماً بعد آخر من أمثال ما حكت عنه الآيات آنفاً، وعند هذا الحد انبرى له صديقه المؤمن وأجابه بكلمات يشرحهما لنا القرآن الكريم.