آداب امير المؤمنين - الراشدي، قاسم بن يحيى - الصفحة ٥ - تصدير
تصدير
شهدت الأحاديث الشريفة طيلة القرون المديدة الّتي مرّت بها، منعطفات متباينة الشدّة والضعف. فأمّا الثقات من المحدّثين فكان دأبهم عملًا بما يقتضيه مبدأ الأمانة تلقّي أحاديث النبيّ صلى الله عليه و آله وأهل بيته عليهم السلام على النحو الصحيح ونقله إلى خَلَفهم بمنتهى الدقّة، ولكن في غِمار هذا الخِضَمّ كان هناك من اندسّوا في دائرة الحديث وأحدثوا تغييرات في الأحاديث سواءً أكان هذا سهوا أو عمدا.
وانطلاقا من هذا الواقع ظهرت هناك ضرورة فرضت نفسها على الواقع، ألا وهي إخضاع الأحاديث الشريفة للنقد والتمحيص لتقييم مدى صحّتها من سقمها، فكرّس المحدّثون جهودهم وعكفوا على تنقيح وتبيين الاصول والمبادئ الّتي ينبغي اعتمادها للتعامل مع الأحاديث؛ لاستجلاء ما طرأ عليها من الخطأ والوضع وإماطته عنها.
وهذه الجهود الّتي نتحدّث عنها لم تحصل بين عشية وضحاها طبعا، وإنّما تبلورت على مدى عهود شتّى وعلى يد أشخاص متعدّدين، وتمّ التعامل معها وتطبيقها بصيغ وأساليب مختلفة، فهناك فئة من المحدّثين انكبّت على تأليف كتب قيّمة وموثّقة، وعبّأت كلّ ما أوتيت من قوّة لجمع ونقل ما روي من أحاديث موثّقة عن أهل البيت عليهم السلام، وكان من ذلك أنّهم دوّنوا في هذا السياق اصولًا وكتبا حديثية متعدّدة. ودأب البعض منهم بدافع الحرص على التعامل مع الأحاديث وفقا لقواعد واضحة على وضع قواعد ومبادئ لتقييم الأحاديث، وهذا مادفع إلى تخصيص كتب اصول الحديث أو دراية الحديث؛ لشرح قواعد وأنواع حالات الحديث، كما خُصصت كتب اخرى لتسليط الضوء على مصاديق الأحاديث الخالية من الاعتبار، كما بذلت جهود اخرى في غير هذين الحقلين.
وفي ضوء هذه الخطوات الّتي انجزت عن طريق نقد وتقييم الأحاديث، يمكن التعويل على مدى اعتبار المصادر الأوّلية في الحديث واتّخاها معيارا من المعايير المعتمدة في تقييم الأحاديث. وانطلاقا من ذلك يمكن النظر إلى المصادر الّتي الّفت في عصر المعصومين أو ما قاربه نظرا إلى أنّها من المحتمل أن تتّصف بمزيد من الدقّة في النقل، بالإضافة إلى أنّها جاءت في أثناء وجود أصحاب الأئمّة الّذين كانوا نقّادا صالحين للأحاديث؛ لأنّهم كانوا يعيشون في أجواء صدورها على أنّها