دانشنامه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٥٤
٤٨٢.بحار الأنوار عن محمّد بن سنان : حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ بنُ عُمَرَ قالَ : كُنتُ ذاتَ يَومٍ بَعدَ العَصرِ جالِسا فِي الرَّوضَةِ بَينَ القَبرِ وَالمِنبَرِ ، وأَنَا مُفَكِّرٌ في ما خَصَّ اللّهُ بِهِ سَيِّدَنا مُحَمَّدا صلى الله عليه و آله مِنَ الشَّرَفِ وَالفَضائِلِ ، وما مَنَحَهُ وأَعطاهُ وشَرَّفَهُ بِهِ وحَباهُ مِمّا لا يَعرِفُهُ الجُمهورُ مِنَ الاُمَّةِ ، وما جَهِلوهُ مِن فَضلِهِ وعَظيمِ مَنزِلَتِهِ وخَطَرِ مَرتَبَتِهِ ، فَإِنّي لَكَذلِكَ إذ أقبَلَ ابنُ أبِي العَوجاءِ ، فَجَلَسَ بِحَيثُ أسمَعُ كَلامَهُ . فَلَمَّا استَقَرَّ بِهِ المَجلِسُ إذا رَجُلٌ مِن أصحابِهِ قَد جاءَ فَجَلَسَ إلَيهِ ، فَتَكَلَّمَ ابنُ أبِي العَوجاءِ فَقالَ : لَقَد بَلَغَ صاحِبُ هذَا القَبرِ العِزَّ بِكَمالِهِ ، وحازَ الشَّرَفَ بِجَميعِ خِصالِهِ ، ونالَ الحُظوَةَ في كُلِّ أحوالِهِ . فَقالَ لَهُ صاحِبُهُ : إنَّهُ كانَ فَيلَسوفا اِدَّعَى المَرتَبَةَ العُظمى وَالمَنزِلَةَ الكُبرى ، وأَتى عَلى ذلِكَ بِمُعجِزاتٍ بَهَرَتِ العُقولَ ، وضَلَّت فيهَا الأَحلامُ ، وغاصَتِ الأَلبابُ عَلى طَلَبِ عِلمِها في بِحارِ الفِكرِ ، فَرَجَعَت خاسِئاتٍ وهِيَ حَسيرٌ ، فَلَمَّا استَجابَ لِدَعوَتِهِ العُقَلاءُ وَالفُصَحاءُ وَالخُطَباءُ دَخَلَ النّاسُ في دينِهِ أفواجا ؛ فَقُرِنَ اسمُهُ بِاسمِ ناموسِهِ ، فَصارَ يُهتَفُ بِهِ عَلى رُؤوسِ الصَّوامِعِ ـ في جَميعِ البُلدانِ وَالمَواضِعِ الَّتِي انتَهَت إلَيها دَعوَتُهُ ، وعَلَت بِها كَلِمَتُهُ ، وظَهَرَت فيها حُجَّتُهُ ، بَرّا وبَحرا وسَهلاً وجَبَلاً ـ في كُلِّ يَومٍ ولَيلَةٍ خَمسَ مَرّاتٍ ، مُرَدَّدا فِي الأَذانِ وَالإِقامَةِ ؛ لِيَتَجَدَّدَ في كُلِّ ساعَةٍ ذِكرُهُ ، لِئَلّا يَخمُلَ أمرُهُ . فَقالَ ابنُ أبِي العَوجاءِ : دَع ذِكرَ مُحَمَّدٍ ـ صلى الله عليه و آله ـ فَقَد تَحَيَّرَ فيهِ عَقلي ، وضَلَّ في أمرِهِ فِكري ، وحَدِّثنا في ذِكرِ الأَصلِ الَّذي يَمشي بِهِ . ثُمَّ ذَكَرَ ابتِداءَ الأَشياءِ ، وزَعَمَ أنَّ ذلِكَ بِإِهمالٍ لا صَنعَةَ فيهِ ولا تَقديرَ ، ولا صانِعَ لَهُ ولا مُدَبِّرَ ؛ بَلِ الأَشياءُ تَتَكَوَّنُ مِن ذاتِها بِلا مُدَبِّرٍ ، وعَلى هذا كانَتِ الدُّنيا لَم تَزَل ولا تَزالُ . قالَ المُفَضَّلُ : فَلَم أملِك نَفسي غَضَبا وغَيظا وحَنَقا ، فَقُلتُ : يا عَدُوَّ اللّهِ !ألحَدتَ في دينِ اللّهِ ، وأَنكَرتَ البارِيَ ـ جَلَّ قُدسُهُ ـ الَّذي خَلَقَكَ في أحسَنِ تَقويمٍ ، وصَوَّرَكَ في أتَمِّ صورَةٍ ، نَقَلَكَ في أحوالِكَ حَتّى بَلَغَ بِكَ إلى حَيثُ انتَهَيتَ ، فَلَو تَفَكَّرتَ في نَفسِكَ وصَدَّقَكَ لَطيفُ حِسِّكَ لَوَجَدتَ دَلائِلَ الرُّبوبِيَّةِ وآثارَ الصَّنعَةِ فيكَ قائِمَةً ، وشَواهِدَهُ ـ جَلَّ وتَقَدَّسَ ـ في خَلقِكَ واضِحَةً ، وبَراهينَهُ لَكَ لائِحَةً ! فَقالَ : يا هذا ، إن كُنتَ مِن أهلِ الكَلامِ كَلَّمناكَ ؛ فَإِن ثَبَتَ لَكَ حُجَّةٌ تَبِعناكَ ، وإن لَم تَكُن مِنهُم فَلا كَلامَ لَكَ ، وإن كُنتَ مِن أصحابِ جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ فَما هكَذا يُخاطِبُنا ، ولا بِمِثلِ دَليلِكَ يُجادِلُنا ! ولَقَد سَمِعَ مِن كَلامِنا أكثَرَ مِمّا سَمِعتَ ، فَما أفحَشَ في خِطابِنا ، ولا تَعَدّى في جَوابِنا . وإنَّهُ لَلحَليمُ الرَّزينُ العاقِلُ الرَّصينُ ؛ لا يَعتَريهِ خُرقٌ ولا طَيشٌ ولا نُزقٌ . ويَسمَعُ كَلامَنا ، ويُصغي إلَينا ، ويَستَعرِفُ حُجَّتَنا ، حَتَّى استَفرَغنا ما عِندَنا وظَنَنّا أنّا قَد قَطَعناهُ أدحَضَ حُجَّتَنا بِكَلامٍ يَسيرٍ وخِطابٍ قَصيرٍ ، يُلزِمُنا بِهِ الحُجَّةَ ، ويَقطَعُ العُذرَ ، ولا نَستَطيعُ لِجَوابِهِ رَدّا ، فَإِن كُنتَ مِن أصحابِهِ فَخاطِبنا بِمِثلِ خِطابِهِ ... . [١]
[١] بحار الأنوار : ج ٣ ص ٥٧ نقلاً عن الخبر المشتهر بتوحيد المفضّل .