رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٥ - الإشكال الأوّل لو كانت الأحكام الواقعية أحكاماً إنشائية يلزم عدم وجوب امتثالها
فإذا قام الدليل على أنّ الأمارة حجّة، فهذا التنزيل فعل الحكيم لا بدّ من وجود الأثر له، و لا يترتّب عليه الأثر إلّا بتنزيل الجزء الأوّل و هو أنّ مؤدى الأمارة هو مؤدى الواقع، فصار الجزء الأوّل أيضاً محرزاً، فتنزيل الأمارة منزلة الحجة الشرعية يدلّ بدلالة الاقتضائية على أنّ مؤدى الأمارة نازل منزلة الواقع. و هذا هو المفهوم من عبارته في الكفاية في المقام حيث قال:
اللّهم إلّا أن يقال أنّ الدليل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع الذي صار مؤدّى لها، هو دليل الحجّية بدلالة الاقتضاء.
و بالجملة إفاضة الحجّية على الأمارة فعل الحكيم و هو بما هو هو لا يترتّب عليه الأثر إلّا أن يصان عن اللغويّة بدلالة الاقتضاء بتنزيل آخر و هو جعل مؤدّى الأمارة منزلة الواقع، فإذا قامت الأمارة على حكم فكأنّ الأمارة قامت على حكم واقعي إنشائي، فيتبدّل إلى الفعلية لتمام الموضوع.
و لكن الظاهر من قوله: «لكنّه لا يكاد يتم إلّا إذا لم يكن للأحكام بمرتبتها الإنشائية أثر أصلًا، و إلّا لم يكن لتلك الدلالة مجال كما لا يخفى»، انّ مراده أمر آخر و هو انّ جعل الحجّية على الأحكام الإنشائية لا بدّ أن يحمل على بيان كون الأحكام الإنشائية تكون فعلية إذا قامت الأمارة عليها و إلّا- إذ لم يلازم قيام الأمارة فعلية الأحكام الواقعية- يكون جعل الحجّية على الأمارة أمراً لغواً، و يصون كلام الحكيم عن اللغو، يستدلّ بإفاضة الحجية عليها، على صيرورة الأحكام الإنشائية فعلية.
و على هذا التقرير يصحّ ما ذكره أخيراً- لا على التقرير المتقدّم- «من أنّه لا يكاد يتمّ إلّا إذا لم يكن للأحكام بمرتبتها الإنشائية أثر أصلًا، و إلّا لم يكن لتلك الدلالة مجال كما لا يخفى»، فلا يستكشف من جعل الحجّية للأمارة، صيرورة