رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٨ - دراسة أدلّة الرازي على أنّ دلالة الظواهر ظنيّة
إنّما الكلام إذا تمت دلالة الكلام و استقر ظهوره في معنى معيّن على نحو يُعد خلافه مرجوحاً أو غير ملتفت إليه، فهل توصف دلالته حينئذ ظنيّة؟
و بذلك تعرف الفرق بين الظاهر و النصّ، فقد عرّفا بوجوه مختلفة، و لكن أوجز التعاريف للنص و الظاهر هي ما يلي:
النص: ما لا يحتمل إلّا معنىً واحداً.
الظاهر: ما يحتمل معنيين: أحدهما راجح ملتفت إليه، و الثاني مرجوح لا يلتفت إليه العرف.
و إن شئت قلت: إنّ النصّ ما لا يمكن صرفه إلّا إلى معنى واحد و لو صرفه إلى معنى آخر لعُدّ المتكلّم متناقضاً، و هذا بخلاف الظاهر، فإنّ صرفه إلى غير المعنى الظاهر أمر مرجوح و لكن لا يُعدّ تناقضاً، فالأوّل كقوله سبحانه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فإنّ لفظة «أحد» نصّ في التوحيد و القول بالتثليث يناقضه، أو قوله سبحانه: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) [١] فإنّ الألف و كذا لفظ الخمسين و هكذا سائر ألفاظ الآية لا تحتمل إلّا معنى واحداً.
و أمّا الثاني فكقوله: أكرم العلماء فإنّه ظاهر في عامة العلماء، و لكن لو قال: بأنّ مقصودي منهم هو قسم العدول، فهذا يُعدّ خلافاً للظاهر و لا يعدّ الرجل مناقضاً إذا كان بصدد التشريع و التقنين، فإنّ المخصص في البيئات التقنينية يأتي متأخراً غالباً لا مقارناً.
و لذلك لا يقبل من الإنسان- الذي ليس له شأن التقنين- إلقاء العام و إرادة الخاص إذا لم يذكر المخصّص في جنب العام.
[١]. العنكبوت: ١٤.