رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٣ - إنّ التمسك بالبراءة العقلية يتحدّد بأُمور
و كاستقلاله بحسن جزاء الإحسان بالإحسان و قبح جزائه بالسوء، و المقام أيضاً من هذا القبيل فالعقل مستقلّ بقبح العقاب مع تمكّن المولى من البيان، سواء أ كان العقاب في هذه الحالة من مصاديق الظلم أم لا.
ثمّ إنّ الأُمور الثلاثة التالية تؤيّد كون موقف العقل، عند الشكّ في الحكم الشرعي الإيجابي أو التحريمي، هو البراءة:
١. انّ النظام السائد بين العقلاء فيما يرجع إلى أمر الطاعة، هو البراءة ما لم يكن بيان في المقام، فالرئيس لا يحتج على من دونه في الرتبة و الدرجة، إلّا بما بيّنه و شرحه له و أمره باتّباعه، و لو قام أحد الموظّفين، بكلّ ما أُمر به و بُيّن له، على نحو لم يفته شيء منه، و لكنّه ترك ما شكّ في مطلوبيته ممّا لم يكن موجوداً في برنامجه، يعدّ مطيعاً غير عاص، و لا يحتجّ الرئيس عليه بالشكّ و الترديد، مع أنّه كان متمكناً من البيان، و ما هو إلّا لقضاء فطرتهم بذلك و عقولهم عليه لا أنّهم اتّفقوا على هذا التحديد، فاتّفاقهم على تلك الضابطة من وحي الفطرة، و لأجل ذلك صارت القاعدة عالمية لا تختص بقطر دون قطر أو شعب دون شعب، و السعة و العمومية- كما قلنا في محلّه- آية كون الحكم فطريّاً نابعاً من صميم ذات الإنسان لا أمراً اتّفق عليه العقلاء لمصالح و أغراض خاصّة.
٢. انّه سبحانه يصرّح في غير واحد من آياته، بأنّ الغاية من إرسال الرسل، هو قطع عذر العباد، و إبطال حجّتهم على اللّه على نحو لو لا إرسال الرسل، لكانت الحجّة للعباد على اللّه تعالى.
يقول سبحانه: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) [١]، فالآية صريحة في أنّه سبحانه أبطل
[١]. النساء: ١٦٥.