رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٧ - نظرة إلى طريقة الفقهاء
قال أبو زهرة في تبيين ذلك الاتّجاه: الاتّجاه الثاني هو الاتّجاه المتأثر بالفروع، و قد اتّجه فيه الباحثون إلى قواعد الأُصول ليقيسوا بها فروع مذهبهم و يثبتوا سلامتها بهذه المقاييس. و بذلك يصحّحون بها استنباطها و يتزودون بها في مقام الجدل و المناظرة، فكانت دراسة الأُصول على ذلك النحو صورة لينابيع الفروع المذهبية و حججها، و لقد قال بعض العلماء: إنّ الحنفية أوّل من سلكوا هذه الطريقة و لم تكن لهم أُصول فقهية نشأت في عهد الاستنباط. [١]
نظرة إلى طريقة الفقهاء
إذا كانت الغاية من تدوين علم الأُصول هي التعرّف على قواعد تسهّل الاستنباط، و تأخذ بيد المجتهد إلى استنباط الحكم الشرعي؛ فيجب أن تكون القواعد الأُصولية حاكمة على الفروع و دعامة للفقه، و طريقة للاستنباط، و هذا لا ينطبق إلّا على طريقة المتكلّمين.
و أمّا إذا كانت الغاية هي تصحيح الفروع التي أفتى بها الإمام و مخرِّجو مذهبه، فتكون حينئذ قليلة الجدوى، لأنّه يصبح دفاعاً عن مذهب معيّن، فلو وافقها أخذ به و إن خالفها رفضها.
و الحاصل أنّ علم الأُصول هو العلم الذي يُعدّ منهاجاً للاستنباط و طريقاً إليه، و أمّا إذا كانت الغاية منه تأييد المذهب و الدفاع عنه، فيصبح علم الأُصول أداة طيّعة لفتوى الإمام و لا يكون منهاجاً للاجتهاد.
و لأجل هاتين الرؤيتين المختلفتين نرى اختلافاً واضحاً بين الأُصوليّين لأتباع أئمّة المذاهب.
[١]. نفس المصدر: ١٨.