رسالة فی الاجتهاد و التقلید - حسينى طهرانى، سید محمد محسن - الصفحة ٤٩٤ - علم الفقه مجموعة من الأبواب المتعدّدة و هي مختلفة من حيث مبادئ الاجتهاد ومقدّماته
المحتاج إليها في بابٍ آخر، فإذا حصلت للمجتهد جميع الملَکات العديدة کان اجتهاده مطلقًا، وإلاّ فمتجزّيًا.
وإن شئت فقُل: إنّ باب الفقه ملتئمٌ من أبواب عديدة، يسمّى المجموع بالفقه، مع فرض مغايرة الأبواب من حيث مبادي الاستنباط؛ کمغايرة العلمِ الهندسةَ والرياضيات والکيمياءَ والعلومَ الطبيعيّةَ والهيئة ونظائرها.
فکما أنّ کلّ واحدٍ من هذه العلوم يَحتاج إلى ملَکة مغايرةٍ لِما يُحتاج إليه في علم آخر، لکن إذا اطّلع الإنسان على جميع هذه العلوم بتحصيله جميع الملکات يُسمّى: «ذا الفنون»، کذلک علم الفقه إذا حصلت له بعض من هذه الملکات المحتاج إليها يُسمى: «متجزّيًا»، وإن حصلت ملکات عديدة کثيرة سُمّيَ: «مطلقًا».
وإن شئت فنظِّر المقام بباب العدالة أيضًا؛ لأنّ العادل عند الشارع هو من حصلت له ملَکة ترک المعصية، لکنّ هذا عبارةٌ عن: ضمّ ملَکاتٍ کثيرة، کملَکة ترک الحسد، وملَکة ترک الغيبة، وملَکة ترک قول الزور، وهکذا... .
فالقائل بالتجزّي لا يدّعي تبعّض المَلَکة البسيطة، بل يدّعي تعدّدها فکلُّ واحدةٍ من هذه الملَکات نسبته إلى ملَکات المجتهد المطلق نسبة أفراد العامّ إلى العامّ، لا نسبة أجزاء المرکّب إلى المرکّب.
هذا، واعلم أنّ صاحب «الکفاية» ـ قدّس سرّه ـ ذهب إلى وجوب التجزّي لدليل بطلان الطفرة[١]؛ وذلک لأنّ أعلى درجة الملَکة القويّة لا يحصل للمجتهد دفعةً واحدةً، بل تحصل له ـ أوّلًا ـ ملَکة ضعيفةٌ جِدًّا، ثمّ بالممارسة في أبواب الفقه واستنباط الأحکام، تشتدّ هذه الملَکة شيئًا فشيئًا، حتّى يصير ذا ملَکةٍ قويّةٍ بحيث يتمکّن من إعمال الأدلّة الأربعة المذکورة سابقًا، بمجرّد النظر إلى کلّ مسألة عُرضت
[١]ـ کفاية الأصول، مباحث الاجتهاد والتقليد، ص ٤٦٦.