مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٧١٠
لتحصيل مصلحة ينفرّ عنه إذا عارضه في نظره لزوم مفسدة مساوية للمصلحة كمن رام تحصيل درهم على وجه يلزم منه فوات مثله و إذا كان ما هو المقصود من التحريم أشد و آكد منه في الواجب كانت المحافظة عليه أولى و لهذا كان ما شرعت العقوبات فيه من فعل المحرمات أكثر من ترك الواجبات و أشد كالرجم المشروع في زنا المحصن و ثانيها ما تمسّك به في النهاية و الأحكام فقالا و لأن اقتضاء الحرمة إلى مقصودها أتم من إفضاء الوجوب إلى مقصوده فكانت المحافظة عليها أولى و ذلك لأن مقصود الحرمة يتأتى بالترك سواء كان ذلك مع القصد له أو مع الغفلة عنه و لا كذلك فعل الواجب و ثالثها ما ذكره في الإحكام أيضا فقال و أيضا فإن ترك الواجب و فعل المحرّم إذا تساويا في داعية الطبع إليهما فالترك يكون أيسر و أسهل من الفعل لتضمن الفعل مشقة الحركة و عدم المشقة في الترك و ما يكون حصول مقصوده أوقع يكون أولى بالمحافظة عليه و رابعها ما تمسّك به في شرح المختصر فقال في مقام ذكر المرجحات المتنية الأول أن يكون مدلول أحدهما نهيا و الآخر أمر إلى أن قال و لأن النهي للدوام دون الأمر و لقلّة محامل لفظ النهي انتهى و في جميع الوجوه المذكورة نظر و الأقرب عندي هنا التخيير لعموم الأخبار الكثيرة الدّالة على التخيير في الخبرين المتعارضين بل لو لا التخيير هنا للزم طرح تلك الأخبار مع كثرتها و صحة بعضها و فتوى ثقة الإسلام الكليني و جماعة من الأصحاب بمضمونها و ذلك لأنه لا يبقى حينئذ لها مورد إذ في غير محل البحث يوجد برجح ظني يقتضي ترجيح أحد الخبرين على الآخر و معه لا يجوز الحكم بالتخيير لما عرفت سابقا فيكون الأخبار كالمصرحة بالتخيير في محل البحث فتأمل لا يقال القول بالتخيير لم يذهب إليه أحد هنا و إلا لنقلوه فلا يجوز المصير إليه لأنا نقول ذلك باطل بل الظاهر أن جماعة من أصحابنا إن لم نقل معظمهم أو كلّهم على التخيير هنا غير معلومة و لكن مجرد فتوى العلامة في النهاية بما تقدم إليه الإشارة مع عدم نقله الخلاف لا يدل على الاتفاق على ما صار إليه بل و لا على شهرته و أما موافقة فتوى الأحكام و شرح المختصر فلا يؤثر شيئا كما لا يخفى و بالجملة لا يجوز رفع اليد عن تلك الأخبار الكثيرة بمجرّد ذلك و لكن مع هذا لا يبعد أن يقال إن ما ذهب إليه في النهاية أحوط فلا ينبغي العدول عنه و اعلم أنه قال في الإحكام في مقام ذكر المرجحات المتنية منها أن يكون أحدهما أمرا و الآخر نهيا فالنّهي من حيث هو نهي مرجح على الأمر لثلاثة أوجه الأول أن الطلب فيه للترك أشد و لهذا لو قدّر كون كل واحد منهما مطلقا فإن أكثر من قال بالخروج عن عهدة الأمر بالفعل مرّة واحدة نازع في النّهي الثاني أن محلّ النّهي و هو تردّده بين التحريم و الكراهة لا غير أقل من محامل الأمر لتردده بين الوجوب و النّدب و الإباحة على بعض الآراء الثالث أن الغالب من النهي طلب دفع المفسدة و من الأمر طلب تحصيل المصلحة و اهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر من اهتمامهم بتحصيل المصالح انتهى و فيما ذكره نظر لا يخفى الثّاني قال في الإحكام في مقام ذكر المرجّحات الثالث أن يكون حكم أحدهما الحرمة و الآخر الكراهة فالحاظر أولى لمساواته للكراهة في طلب الترك و زيادته عليه بما يدل على اللوم عند الفعل و لأن المقصود منهما أنما هو الترك لما يلزمه من دفع المفسدة الملازمة للفعل و الحرمة أولى بتحصيل ذلك المقصود فكانت أولى بالمحافظة و أيضا فإن العمل بالمحرم لا يلزم منه إبطال دلالة المقتضي الكراهة و هو طلب الترك و العمل بالمقتضي للكراهة مما يجوز معه الفعل و فيه إبطال دلالة المحرم و لا يخفى أن العمل بما لا يفضي إلى الإبطال يكون أولى و في شرح المختصر يقدم الحظر على الكراهة لأنه أحوط و اعترض في النهاية على ما ذكره في الإحكام فقال بعد الإشارة إليه و فيه نظر لأن دلالة مقتضى الكراهية ليس هو مطلق طلب بل الطلب الغير المانع من النقيض انتهى و الأقرب عندي ترجيح ما مقتضاه الكراهة بناء على المختار من أولوية المقرر و على تقدير خلاف ذلك فالتخيير الثالث قال في شرح المختصر يرجح بأن يكون مدلوله أمر أو مدلول الآخر إباحة للاحتياط و هو هذا القول الصحيح و قيل يقدم ما مدلوله الإباحة لأن مدلوله متحد و مدلول الأمر متعدد و لأن المبيح يمكن العمل به على تقدير المساواة و الرّجحان و الأمر على تقدير الرجحان فقط و لأنه لا يختل به مقصود الفعل و الترك إن أرادهما المكلف و الأمر يختل به مقصود الترك انتهى و في النهاية الأمر راجح على المبيح لانتفاء الضرر بمخالفة المبيح دون مخالفة الأمر و قد يرجح المبيح باتحاد مدلوله و مدلول الأمر و لأن العمل بالمبيح تأويل للأمر على بعض محامله و في العمل بالأمر تعطيل المبيح بالكلية و التأويل أولى من التعطيل و في الإحكام من المرجحات المتنية أن يكون أحدهما أمرا و الآخر مبيحا فالأمر و إن يرجح على المبيح إلا أن المبيح يرجح على الأمر من أربعة أوجه الأول أن مدلول المبيح متحد و مدلول الأمر متعدد كما سبق تعريفه فكان أولى الثاني إن غاية ما يلزم من العمل بالمبيح تأويل الأمر و صرفه عن محمله الظاهر إلى المحمل البعيد و العمل بالأمر يلزم منه تعطيل بالمبيح بالكلّية و التأويل أولى من التعطيل الثالث أن المبيح قد يمكن العمل بمقتضاه على تقديرين على تقدير مساواته للأمر و رجحانه و العمل بمقتضى الأمر متوقف على الترجيح و ما يتم العمل به على تقديرين يكون أولى مما لا يتم العمل به إلا على تقدير واحد الرابع إن العمل بالمبيح بتقدير أن يكون الفعل مقصودا للمكلّف لا يختل لكونه مقدورا له و العمل بالأمر يوجب الإخلال بمقصود الترك بتقدير كون الترك مقصودا له انتهى و فيما ذكروه نظر الرّابع قال في شرح المختصر أيضا يقدم ما هو للإباحة و ينهى ما هو بمثله على ما هو للإباحة خالصا و لا ينهى بمثله و قيل مراده ترجيح النهي على الإباحة و ذلك معلوم من ترجيحه النهي على الأمر و الأمر على الإباحة و إذا لا يبقى لقوله بمثله معنى و حمله على أن المراد بمثل الدّليل الدال على تقديم الأمر على الإباحة مع أنه غير مذكور