مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٤٣
الباقي راجح الوجود و لكن ما لم يتحقق كونه راجح الوجود و إنما يصدق عليه البقاء إذا حصل في الزّمان الثاني و الحاصل أن ما لم نعرف وجوده في الزمان الثاني لا نعرف كونه راجح الوجود و أنتم جعلتم رجحان الوجود دليلا على وجوده في الزمن الثاني فيدور سلمنا رجحان الباقي في الوجود الخارجي على الحادث لكن لم قلت إنه راجح في الظن و الجواب قوله ما المراد من استغناء الباقي قلنا لا شك في أن الباقي هو الذي حصل في زمان بعد أن كان بعينه حاصلا في آخر و هو يقتضي أن يكون الذّات الحاصلة في هذا الزمان عين الذّات الحاصلة في الآخر فتلك الذّات الحاصلة في الزمانين إن حصل فيها في الزمان الثاني أمر لم يكن حاصلا في الأوّل كان المتجدد مغايرا للذّات الباقية فيكون الباقي في الحقيقة هو الذات لا الكيفية المتجددة فنحن ندعي أن ذلك الباقي يستحيل استناده إلى المؤثر حال بقائه و حينئذ لا يكون استناد الكيفية المتجددة إلى المؤثر قادحا في قولنا الباقي غير مستند للتغاير بينهما و إن لم يحصل في الزمن الثاني أمر متجدد بل الحاصل فيه ليس إلا الذّات الحاصلة في الأول بطل قولهم إن كونه باقيا كيفية حادثة و إنها مفتقرة إلى المؤثر فعلى التقديرين يسقط السّؤال و فيه نظر لأن فرض البقاء فرض المتجدد إذ البقاء لم يكن أولا لكن تجدد ثانيا و حصول الذّات في الزّمان الثاني مفتقر إلى المؤثر لتجدّده و الباقي مفتقر إليه و المفتقر إلى المفتقر إلى الشيء مفتقر إليه قوله حصوله في الزمن الثاني كيفية زائدة على الذّات و هي مفتقرة إلى المؤثر قلنا هذا باطل بتقدير ثبوته فهو غير قادح في الدليل أما البطلان فلأن حصوله في الزّمان الثاني لو كان كيفية زائدة على الذّات لكان حصوله في ذلك الزّمان كيفية أخرى و لزوم التالي و هو محال و لأن العدم يصدق عليه أنه باق فلو كان تحقّقه في الزّمان الثاني كيفية ثبوتية لزم قيام الصفة الموجودة بالموصوف الّذي هو نفي محض و أنه محال و فيه نظر فإن الوجود في الزّمان الثاني كالوجود في الزّمن الأول فإن افتقر الثاني إلى المؤثر من غير تسلسل افتقر الأول فإن أسند أصل الوجود إلى الفاعل في الثاني فكذا في الأوّل و أما إن بتقدير ثبوته فالمقصود حاصل فلأن حصوله في الثاني لما كان حادثا كان استناده إلى المؤثر استنادا للحادث إلى المؤثر لا للباقي و كلامنا ليس إلا في الثاني و فيه نظر لأن استناد الباقي إلى المؤثر هو استناد الحادث إليه على ما بيّناه قوله ما الّذي تعني بتحصيل الحاصل قلنا نفي به أن الشيء الّذي حكم العقل عليه بأنه كان حاصلا قبل ذلك يحكم عليه بأنّ حصوله الآن لأجل هذا الشّيء و هذا محال بالبديهة لأنه لما كان حاصلا قبل ذلك فلو أعطاه الآن هذا المؤثر حصولا لكان قد حصل نفس ما كان حاصلا و هو محال و فيه نظر فإن الفاعل كما أعطى في الأوّل الوجود كذا أعطاه مقارنة الوجود للزمان الأول فكذا القول في الباقي يعطيه مقارنة الوجود للزّمان الثاني قوله الباقي حال بقائه ممكن و كل ممكن مفتقر قلنا لا نسلّم بل الممكن إنما يفتقر إلى المؤثر بشرط كونه حادثا و فيه نظر فإن العقل حاكم بأن احتياج الإمكان لوجوب افتقار المتساوي في ترجيحه بخلاف الحدوث فإن العقل لوجود وجوب الحادث حكم باستغنائه حينئذ قوله الحدوث متأخر قلنا لا نريد به أن يكون حادثا بشرط الافتقار بل يريد به أن كونه بحيث لو وقع بالمؤثر لكان حادثا شرط لافتقار الأثر إلى المؤثر و كونه لهذه الحيثية أمر متقدم و فيه نظر فإن التلازم بين وجوده المستند إلى المؤثر و بين حدوثه لا يجوز أن يكون علّة لافتقاره ما لم يثبت الملزوم و هو محال لاستلزامه توقف الافتقار على الإيجاد و الحال بالعكس قوله فالمراد من الأولوية قلنا درجة متوسّطة بين التساوي و التعيين المانع من النقيض قوله هذا محال لاقتضائه ترجيح أحد المتساويين على الآخر للمرجح قلنا لا نسلّم أن ذلك ممتنع مطلقا بل ذلك إنما يمتنع بشرط الحدوث و فيه نظر لأن المتساوي لذاته إن كان لذاته لزم اقتضاء الذات صفتين متساويتين و هو محال بالظاهر و إن كان لغيره فالمطلوب و لو جوز هذا الشرط لم يحتج إلى إثبات متوسّط بين التساوي و التّرجيح المانع من النقيض فإن المتساوي حينئذ يجوز وجوده لا لمرجح قوله لم قلت إنه لما أمكن حصول عدم الحادث بطريقين و عدم الباقي لا يحصل إلا بطريق واحد كان وجود الحادث مرجوحا قلنا لأن عدم حدوث الحادث أكثر من عدم الباقي لأنه يصدق على ما لا نهاية له أنه لم يحدث و أما عدم الباقي بعد حدوثه فهو متناه لاشتراط وجوده في عدمه بعد وجوده فإذا كان الوجود متناهيا كان لعدم بعد الوجود متناهيا و إذا كان عدم الحادث أكثر من عدم الباقي بعد الكثرة موجبة للظن ثبت أن عدم الحادث غالبا على عدم الشّيء بعد بقائه و لا معنى للظن إلا ذلك و اعلم أنه يمكن الاستدلال بهذه النكتة ابتداء و فيه نظر لأنا نمنع أولا انحصار عدم الباقي بوجود المانع بل قد يعدم بعدم المقتضي كالحادث و إنّما يتم الانحصار لكن كثرة عدم الحادث على عدم الباقي لا يقتضي كون عدم الحادث بطريقين و عدم الباقي بطريق واحد موجبا لترجيح الباقي على الحادث بل هو مقتض للترجيح قوله كونه باقيا يتوقف على حدوث حصوله في الزمان الثاني فكونه باقيا يتوقف على الحدوث ليس براجح و التوقف على ما لا يكون راجحا ليس براجح قلنا هذا إنّما يلزم لو كان حصوله في الزمان الثاني كيفية وجودية حادثة و هو محال لإفضائه إلى ثم إن سلمنا صحة ذلك لكنا نقول لما ثبت أن الحدوث مرجوح و الذات إذا كانت حادثة فهناك أمران حادثان أحدهما الذّات و الآخر حصول الذّات في ذلك الزّمان و أما إذا كانت الذّات باقية فالحادث أمر واحد و هو حصوله في ذلك الزّمان دون الذّات فإذن الحادث مرجوح من وجهين و الباقي من وجه فوجب أن يكون