مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٨٠
أما الترجيح فعبارة عن اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل به و إهمال الآخر و في شرح المختصر الترجيح في اللغة جعل الشيء راجحا و يقال مجازا لاعتقاد الرجحان و في الاصطلاح اقتران الأمارة بما تقوى به على معارضها و للفقهاء ترجيح خاص يحتاج إليه في استنباط الأحكام و ذلك لا يتصور فيما ليس فيه دلالة على الحكم أصلا و لا فيما دلالته عليه قطعية لما سيأتي أن لا تعارض بين قطعيين و لا بين قطعي و ظني فتعين أن يكون لأمارة على أخرى فلا يحصل تحكما محضا بل لا بد من اقتران أمر به تقوى على معارضها فهذا الاقتران الذي هو سبب الترجيح هو المسمّى بالترجيح في مصطلح القوم لا جرم عرفه بأنه اقتران الأمارة بما يقوى على معارضها انتهى مفتاح قال العضدي في شرح المختصر الدليلان إما قطعيان أو أحدهما قطعي و الآخر ظني أو هما ظنيان و لا تعارض في قطعيين و إلا ثبت مقتضاهما و هما نقيضان و لا بين قطعي و ظني لأن الظن ينتفي بالقطع بالنقيض و أما الظنيان فيتعارضان انتهى و قد اشتمل كلامه هذا على مطالب ثلاث الأول أنه لا يقع التعارض بين القطعيين و قد صرّح بهذا في جملة من الكتب ففي الإستبصار للشيخ المتواتر من الأخبار ما أوجب العلم فما هذا سبيله يجب العمل به من غير توقع شيء ينضاف إليه و لا أمر يقوى به و لا يرجح على غيره و ما يجري هذا المجرى لا يقع له التعارض و لا التضاد في أخبار النّبي صلى اللَّه عليه و آله و الأئمة عليهم السلام و في النهاية الإجماع على أنه لا يجوز تعادل الأدلة العقلية المتقابلة بالنفي و الإثبات لوجوب حصول المدلول عند وجود الدّليل فلو تعادل دليلان في نفسهما لزم حصول مدلولهما و هو يستلزم اجتماع النقيضين و في التهذيب الدليلان إما أن يكونا يقينيين فالتعارض بينهما محال إلا أن يكون أحدهما قابلا للتأويل بالآخر بحيث يمكن الاجتماع بينهما كالعام المقطوع نقله و الخاص المظنون نقله و في المبادي و شرحه لا يتعارض دليلان قطعيان و زاد في الثاني فقال لاستلزامه اجتماع النقيضين و في المنية الأدلة القطعية عقلية كانت أو نقلية لا يجوز تعادل دليلين متقابلين بالنفي و الإثبات أما العقلية فلوجوب حصول المدلول عند حصول دليله فلو تحقق دليلان على نقيضين لزم اجتماعهما و هو محال بالضرورة و أما النقلية فلأنه يلزم إما اجتماع النقيضين أو الكذب على الشارع و هما محالان و قال في مقام آخر التعارض في اليقينيات محال إذ الدليل اليقيني لا يتحقق إلا مع كون مقدّماته ضرورية أو لا ذمة على الضّرورية إما ابتداء أو بواسطة مباديها ذلك إما متّحدة أو متعددة و ذلك لا يحصل إلا عند اجتماع علوم أربعة العلم الضروري بصحة المقدمات أي بكونها صادقة في نفس الأمر إما ابتداء أو بواسطة و العلم الضروري بلزوم اللازم عنها و العلم الضروري بأن ما لزم عن الضروري لزوما ضروريا فهو ضروري و حصول ذلك في الدليلين المتنافيين ملزوم للقدح في البديهيات و قول المصنف فالتعارض بينهما محال إلى آخره فيه نظر لأن القابل للتأويل بالآخر لا يكون يقينيّا و كذا الخاص المظنون نقله ليس من اليقينيات فهو من القسم الأول أعني تعارض الظنيين و إنما أسّسناه من اليقيني من حيث أن كلا من الدليلين جزؤه يقيني فالعام في نقله و الخاص في دلالته و في غاية البادي وقع الاتفاق على امتناع التعارض بين الأدلة العقلية و أما النقلية فليست قطعية و على تقدير إفادتها اليقين فالدليل القائم في العقليات قائم في سائر القطعيات و في الزبدة و لا تعارض في قطعيين لاجتماع النقيضين و لا قطعي و ظني و في غاية المأمول التعارض أن يكون هناك دليلان متضمنان لحكمين يتعذّر العمل بهما و ليس أحدهما أولى من الآخر و هو لا يتحقق بين قطعيين و إلا لثبت مقتضاهما فيلزم اجتماع النقيضين و هو محال و في الأحكام لا يتصور التعارض في القطعي لأنه إما يعارضه قطعي أو ظني الأول محال لأنه يلزم منه إما العمل بهما و هو جمع بين النقيضين في النفي أو العمل بأحدهما دون الآخر و لا أولوية مع التساوي و الثاني أيضا محال لامتناع ترجيح الظني على القطعي و امتناع طلب الترجيح في القاطع كيف و أن الدليل القطعي لا يكون في مقابلته دليل صحيح فلم يبق سوى الطرق الظنية و في المختصر لا تعارض في قطعيين انتهى الثاني إنه لا يقع التعارض بين القطعي و الظني و قد صرح به في جملة من الكتب منها ما تقدم إليه الإشارة و منها المنية و غاية المأمول ففي الأول الثالث أن يكون أحدهما يقينيا و الآخر ظنيا فيتعين العمل باليقيني ضرورة استلزامه العلم بكذب الظن المقابل لليقين اللازم للدليل فلا يعتد به و في الثاني لا يتحقق التعارض بين القطعي و الظني لانتفاء الظن عند حصول القطع و إنما يتحقق بين الظنيين الثّالث إنه يجوز وقوع التعارض بين الدّليلين الظنيين المتكافئين و قد اختلفوا فيه على قولين الأول ما ذكر و هو للتهذيب و المبادي و المنية و شرح المبادي و المعالم و غاية المأمول و حكي في جملة من الكتب عن جماعة ففي التهذيب الأمارتان إن تعادلتا و اتحد الفعل و تنافي الحكمان كالأمارة الدالة على قبح الفعل و الأمارة الدالة على وجوبه أو جوازه فمنع منه قوم شرعا و إن جاز عقلا و جوّزه قوم و هو الأقرب و في النهاية و أما الأمارات الظنية فقد اختلفوا في تعادلهما فمنعه الكرخي و أحمد بن حنبل و جوّزه الباقون و في المنية قد اختلفوا في جواز تعادل الأمارتين المتقابلتين منه فمنعه أحمد بن حنبل و الكرخي و جوّزه الباقون و هو الحق و في شرح المبادي اختلفوا في الظنيين فذهب الجمهور