مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٨١
من المعتزلة و الأشاعرة إلى جوازه و اختاره المصنف و باقي الإمامية و في غاية البادي أما الأمارات فهل يقع التعارض فيها أم لا فذهب الجبائيان و القاضي أبو بكر و أكثر الفقهاء إلى الجواز و في مقام آخر منه عليه أكثر أصحابنا و أكثر العامة و ذهب أحمد بن حنبل و الكرخي إلى المنع و التزموا أنه لا بد من ثبوت مرجّح لأحد المتعارضين و إن خفي على المجتهد مسلكه الثاني لا يجوز ذلك و هو للمحكي عن أحمد بن حنبل و الكرخي و قوم للأولين ما تمسّك به في النهاية و التهذيب و المبادي و شرحه و المنية من أنه لا يمتنع أن يخبرنا رجلان متساويان في العدالة و الثقة و احتمال الصدق بحكمين متنافيين و العلم بذلك ضروري و يعضده جملة من الأخبار الآتية فتأمل و للآخرين ما أشار إليه في النهاية و التهذيب و المبادي و شرحيه و المنية من أنه لو تعادلت أمارتان على الخطر و الإباحة فإما أن يعمل بهما معا و هو محال لتنافيهما أو لا يعمل بشيء فيهما و هو محال أيضا لأنهما إذا كانا في أنفسهما بحيث لا يمكن العمل بهما البتة كان وضعهما عبثا و هو غير جائز على الشارع أو يعمل بإحداهما على التعيين دون الأخرى فيلزم الترجيح من غير مرجّح و هو باطل لأنه قول في الدين بمجرد التشهي و إن كان لا على التعيين اقتضى العمل بإحداهما على التعيين لأنا إذا خيرنا بين الفعل و الترك فقد أبحنا له الفعل فيكون ذلك ترجيحا لأمارة الإباحة بعينها على أمارة الخطر و هو باطل و اعترض عليه بوجوه منها ما ذكره في المبادي و التهذيب و غيرهما من أن التخيير ليس إباحة لأنه يجوز أن يقال له إن أخذت بدليل الإباحة فقد أبحت لك و إن أخذت بدليل الخطر فقد حرمت عليك كمن عليه درهمان فقال له صاحبهما فقد تصدقت عليك بأحدهما إن قبلت و إن لم تقبل و أتيت بهما قبلتهما عن الدّين فإن من عليه الدّين مخير إن شاء أتى بدرهم و إن شاء دفع درهمين عن الواجب و كذا في المسافر إذا حضر الأماكن الأربعة التي تخير فيها بين الإتمام و العصر و أنه مكلف بركعتين إن شاء القصر و بأربع إن شاء التمام قال في المنية بعد الإشارة إلى هذا و التحقيق في هذا أن يقال إن الإباحة إن كانت عبارة عن التخيير بين الفعل و الترك مطلقا سواء كان ذلك ابتداء أو مرتبا على أمر آخر كقصد أو فعل لزم من التخيير بين الأخذ بأمارتي الوجوب و الإباحة و كذا التخيير بين أمارتي الإباحة و الحظر و كذا التخيير بين أمارتي الوجوب و الخطر و إن كانت عبارة عن التخيير بين الفعل و الترك ابتداء لم يستلزم التخيير بين الأمارات المذكورة الإباحة لكن هذا هو الحق فإن المكلّف مخير بين ما يوجب الترخص كالسّفر في شهر رمضان و عدمه و لا يقال إن صوم شهر رمضان مباح انتهى و أجاب في النهاية عن الاعتراض المذكور فقال بعد الإشارة إليه و الجواب عنه إنما كان التخيير إباحة لأن المحظور هو الذي يمنع من فعله و المباح هو الذي لا يمنع منه و إذا حصل الإذن في الفعل لا يقع الحجر فلا يبقى خطر البتة و هو معنى الإباحة قوله الفعل محظور بشرط الأخذ بأمارة الحظر و مباح بشرط الأخذ بأمارة الإباحة مطلقا قلنا إنه باطل لأن أمارتي الخطر و الإباحة إن قامتا على ذات الفعل و ماهيته باعتبار واحد فإن رفعنا الحجر عن ماهية الفعل كان ذلك إباحة فيكون ترجيحا لإحدى الأمارتين بعينها و إن لم ترفع الحجر كان حظرا و هو ترجيح للأمارة الأخرى و إن لم تقم الأمارتان على ذات الفعل باعتبار واحد بل قامت أمارة الإباحة على الفعل المقيد بقيد مّا و قامت أمارة الحظر على الفعل المقيد بقيد آخر كان ذلك غير المتنازع لأن صورة النزاع أن تقوم الأمارتان على إباحة شيء و حظره و على تقدير ما ذكرتموه يقام أمارة الإباحة على شيء و أمارة الحظر على آخر فإنهم لما قالوا عند الأخذ بأمارة الحرمة يحرم الفعل كأن معناه أن أمارة الحرمة قائمة على حرمة هذا الفعل حال الأخذ بإجارة الحرمة و أمارة الإباحة قائمة على إباحة هذا الفعل حال عدم الأخذ بإجارة الحرمة فالأمارتان إنما قامتا على شيئين متباينين غير متلازمين لا على شيء واحد و كلامنا في أمارتين قامتا على حكمين متنافيين في شيء واحد لا في شيئين و أيضا إن عنيتم بالأخذ بإحدى الأمارتين اعتقاد رجحانها فهو باطل لأنها إذا لم تكن راجحة كان اعتقاد رجحانها جهلا و لأنا نفرض الكلام فيما إذا حصل العلم بانتفاء الرّجحان و في هذه الصّورة يمتنع حصول اعتقاد الرجحان و إن عنيتم به العزم على الإتيان بمقتضاها فإن كان عزما جزما بحيث يتصل بالفعل لا محالة كان الفعل في ذلك الوقت واجب الوقوع فيمتنع ورود الإباحة و الحظر لأنه يكون ذلك إذنا في إيقاع ما يجب وقوعه أو منعا عن وقوع ما يجب وقوعه و إن لم يكن جازما جاز له الرجوع لأنه إذا عزم عزما غير جازم على الترك فلو أراد الرجوع عنه و قصد الإقدام على الفعل جاز له ذلك انتهى و فيه نظر و منها ما حكاه في النهاية عن بعض من أنه يجوز العمل بإحدى الأمارتين على التعيين إما لأنها أحوط أو أخذ بالأقل ثم أجاب عنه بأنه إن جاز الترجيح بالأحوط أو بالأخف فوجوده ينفي التعادل و إن لم يجز بطل كلامكم و منها ما حكاه في النهاية أيضا عن بعض من أن ذلك إنما يتم عند تعارض أمارتي الحظر و الإباحة و أما عند تعارض أمارتي الحظر و الوجوب فإن التخيير يستلزم الترجيح من غير مرجح فدليلكم على امتناع التعادل غير متناول لكل الصور ثم أجاب عنه بأنه لا قائل بالفرق بين أمارتي الوجوب و الإباحة و بين أمارتي الوجوب و الحظر و لأن الإباحة منافية للوجوب و الحظر فعند تعادل أمارتي الوجوب و الحظر لو حصلت الإباحة كان ذلك قولا بتساقطهما معا و إثباتا لحكم لم يدل عليه دليل البتة و منها