مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٢٣
بالاحتياط أو بأمر آخر غير تقليد الميت و مع ذلك فيمكنهم رفع الحرج بالاشتغال بتحصيل الاجتهاد فالحرج الذي يكون سببه المكلّف لا يوجب سقوط التكليف و قد أشار إلى ما ذكر جدي قدس سره فقال فإن قلت لو لم يجز تقليد الميّت و انحصر جواز التقليد في الحيّ لهلك الناس في العصر الذي لا يكون فيه مجتهدا و العصر الذي لا يصل يدهم إلى المجتهد و أنهم ما ذا يصنعون فثبت أن عدم جواز تقليد الميت باطل لأن مستلزم الباطل باطل قلت أولا ما تقولون لو لم يكن كتب الفقهاء موجودة أو كانت موجودة لكن لم يوجد من يفهم كتبهم إذ فهم كتبهم على وجه الصحّة لا يكاد يتحقق للفضلاء فضلا عن العوام ثم قال و أيضا ما تقولون في الوقائع الخاصّة الّتي ليست مذكورة في كتب الفقهاء بخصوصها و غالب ما يحتاج النّاس إليه من هذا القبيل و لا يستنبط من الكتب ثم قال و أيضا العدالة مثلا أمر يحتاج إليها في غالب الأحوال فلو لم يكن العادل موجود أو لم يكن من يعرف حقيقة العدالة و منافياتها أو لم يكن من يعرف العادل ما ذا يصنعون فيلزم من ذلك على ما ذكرتم أن لا يكون العدالة شرطا في الشرع معتبرا فيه على قياس ما قلتم في انحصار التقليد في الحي و كذا الحال بالنسبة إلى غير العدالة من الأمور التي يحتاج إليها شرعا إلى أن قال و أيضا حال فروع الدين ليس بأشد من حال أصول الدّين فما تقولون في حال الأقطار و الأمكنة التي ليست فيها من يعلم أصول الدين مثل البوادي و القرى و الجبال و الأمصار الواقعة في بلاد الكفر أو الضّلالة و منهم من فيهم من يعلم لكن لا يعلم إما خوفا أو مظنة أنهم لا يسمعون قوله أو لعدم مبالاتهم بالدين و بالجملة الواجبات الكفائية التي يجب على المكلّفين استحصالها لانتظام دينهم و دنياهم في غاية الكثرة و أنّهم ربّما يهملون في التحصيل فيكونون مؤاخذين لتقصيرهم نعم منهم من ليس بمقصر فلا يؤاخذوا ما أنّهم ما ذا تصنعون فاللاّزم عليهم حينئذ بذل الجهد بحسب ما أمكنهم في تحصيل الاحتياط و العمل به و لا يجوز لهم غيره فعند تعدد الأقوال للمتبين يعمل بما هو أحوط و إن لم يكن قول أحد منهم لا أنه يقلّد هذا إذا كان يتأتى الاحتياط و هو الأخذ بما هو أوثق و أما إذا لم يتأت الاحتياط فيه أو يكون قول واحد فاحتياطه حينئذ منحصر في العمل بقول الميّت كما إذا لم يكن هناك قول الفقيه الميّت بل يكون قول العامي و العمل بقولهم حينئذ ليس من باب التقليد كما أن عمل المجتهد بقول غير لا يكون تقليدا بل من باب الاجتهاد كأخذه بقول الموثقين و الخارجين و قول الرّواة و قول اللغويين و قول الفقيه في بعض الأمكنة و غير ذلك و بين الاجتهاد و التقليد فرق واضح و منها أنه لو لم يجز تقليد العالم الميّت لكان مساويا للجاهل الميّت في عدم جواز التقليد و التالي باطل لقوله تعالى هل يستوي الّذين يعلمون و الّذين لا يعلمون فالمقدم مثله و فيه نظر للمنع من شمول الآية الشريفة لمحل البحث سلمنا و لكن غايتها العموم و لا يجوز أن يتمسّك العامي به لإثبات جواز تقليد الميّت و لا المجتهد أمّا الأوّل فلأن غاية ما يستفاد من العموم الظن و لا يفيد القطع و من الظاهر أن المقلّد لا يجوز له التعويل على الظن بل التعويل عليه يختص بالمجتهد ففرض العامي في هذه المسألة الرجوع إلى المجتهد فإن جوّز له تقليد الميّت جاز له ذلك و إلا فلا و ليس له التمسّك بالأدلة الظّنية على جواز تقليد الميّت نعم إن تحقق له دليل قطعي على ذلك صحّ له الاعتماد عليه من غير رجوع إلى المجتهد و لكن تحقق هذا له في هذه المسألة بعيد في الغاية و أما الثاني فلأن العموم إنما يجوز التمسّك به حيثما لم يتحقق ما يصلح لتخصيصه و أما معه فلا و محلّ البحث من هذا القبيل لأن الأدلة الدالة على عدم جواز تقليد الميّت تصلح لتخصيصه فتأمل و منها أن أنبياء بني إسرائيل يجوز العمل بقولهم بعد موتهم فيلزم أن يكون علماؤنا كذلك لعموم المنزلة في قوله صلى اللَّه عليه و آله في المرسل علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل و فيه نظر أما أولا فلأن العمل بقول أنبياء إسرائيل بعد موتهم ليس من باب التقليد لحصول القطع من قولهم و لا كذلك العلماء فلا يشمل عموم المنزلة لمحل البحث و أما ثانيا فلأن العموم إنما يصحّ التمسّك به حيث لم يعارضه ما هو أقوى منه أو يساويه و أما مع وجود أحد الأمرين فلا و العموم في محل البحث ممّا عارضه ما هو أقوى منه و هو ما دلّ على عدم جواز تقليد الميّت فلا يجوز التمسّك به و أما ثالثا فلما تقدم إليه الإشارة و منها أن قول المجتهد الميّت يفيد الظن فيجب العمل به لعموم ما دلّ على حجية الظن و فيه نظر لأنّا نمنع من كلّية الكبرى سلمنا و لكنه معارض بالظن المستفاد من قول المجتهد الحي و هو أولى بالترجيح لحصول البراءة اليقينية معه و لاعتضاده بما دل على عدم جواز تقليد الميّت لا يقال هذا إنما يتجه لو تساوى الظنان في نفس المسألة الشرعيّة و أما إذا فرض حصول الظن الأقوى من قول المجتهد الميت فلا بل يجب الأخذ به عملا بأقوى الظنين كما يجب الأخذ بقول المجتهد الحيّ إذا كان الظن المستفاد منه أقوى لذلك لأنا نقول التفصيل بلزوم الأخذ بأقوى الظنين منهما إن حصل و التوقف أو التخيير مع فقده خرق للإجماع المركب على الظاهر كما لا يخفى و منها ما أشار إليه في الوافية من خبر أحمد بن أبي خلف قال كنت مريضا فدخل علي أبو جعفر عليه السلام يعودني في مرضي فإذا عند رأسي كتاب يوم و ليلة فجعل يتصفحه ورقة ورقة حتى أتى عليه من أوّله إلى آخره و جعل يقول رحم الله يونس رحم الله يونس قال في الوافية و الظاهر أن الكتاب كان كتاب الفتوى فحصل تقرير الإمام عليه السلام على تقليد يونس بعد موته ثم قال و أيضا روي بسنده عن داود بن القاسم أن أبا جعفر الجعفري قال أدخلت كتاب يوم و ليلة الذي ألّفه يونس بن عبد الرحمن على أبي الحسن العسكري عليه السلام فنظر فيه و تصفحه كله ثم قال هذا ديني و دين آبائي و هو الحق كلّه فلو لم يجز العمل