مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٥١٥
من التّعريف يعني من لم يعرفه اللّه شيئا من المعارف و الأحكام بإرسال الرّسول و إنزال الكتاب إذ التّعريف الأوّلي وقع عند الأخذ بالميثاق لا يستقلّ بالمؤاخذة كما قال اللّه سبحانه و ما كنا معذّبين حتى نبعث رسولا هل عليه شيء من العقائد و الأحكام أو من المؤاخذة و الآثام قال لا لأن التّكليف في التّأثيم إنما يكون بعد التّعريف و فيه دلالة واضحة على أن من لم تبلغه الدّعوة و من يحذو حذوهم لا يتعلق به التكليف أصلا أمّا بالمعارف فلأنها من اللّه تعالى كما عرفت و أمّا بالأحكام فلأنها إنما يستفاد من البيان النّبوي صلى الله عليه و آله و في بعض الرّوايات دلالة على أنه يتعلّق بهم نوع آخر من التّكليف في الآخرة للامتحان و الاختبار ليكمل الحجة عليهم انتهى و قد يقال إن غاية ما يستفاد من الرّواية أن من لم يعرف شيئا من مسائل الدّين الأصوليّة و الفروعية لا شيء عليه لا أن كلّ من شكّ في وجوب فعل أو حرمته بعد إقراره بالإسلام و انقياده إليه و معرفته لكثير من الأحكام الفقهية لا شيء عليه و محل البحث الأخير لا الأول و لو سلّم كون الأول من جملة محلّ البحث فنقول إنّ الرّواية على هذا التقدير إنما تدل على حجّية أصالة البراءة بالنّسبة إلى بعض جزئيات محلّ البحث لا جميعها فيكون الدّليل أخص من المدعى و تتميمه بالإجماع المركب مشكل كما لا يخفى و بالجملة التّمسك بالرّواية لإثبات حجّية أصالة البراءة و الإباحة بالمعنى المتعارف بين الفقهاء مشكل إلا أن يدعى أن المراد من قوله عليه السّلام من لم يعرف شيئا السلب الجزئي لا الكلّي و حينئذ ربّما اتجه الاستدلال بالرّواية على ذلك و لكن هذه الدّعوى خلاف الظاهر و مع هذا فيمكن قراءة صيغة يعرف بصيغة المبني للفاعل بل هو الأصل و عليه يكون المستفاد من الرّواية أنّ غير ذوي العقول كالحيوان لا شيء عليه إذ هو الّذي لا يعرف شيئا و هو معنى صحيح لا بأس بالتنبيه عليه كما لا يخفى و حينئذ لا يكون للرّواية ربط بالمدعى أصلا و رابعها ما تمسّك به في الوافية و شرحها للسّيّد صدر الدّين و جدي في الرسالة و غيرها من خبر حريز الّذي وصفه بالصّحة في الوافية و غيره عن أبي عبد الله عليه السّلام قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله رفع عن أمّتي تسعة الخطاء و النّسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما لا يعلمون و ما اضطروا إليه و الحسد و الطيرة و التّفكر و الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة الحديث و روي في البحار قريب من هذا عن مولانا الصّادق عليه السّلام فقال قال أبو عبد اللّه عليه السّلام رفع عن أمتي هذه ستة الخطاء و النّسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطرّوا إليه قال بعض هؤلاء الجماعة دلالة هذا الحديث على رفع المؤاخذة الأخروية عن الجاهل بالوجوب و الحرمة لو فعله ظاهرة و هذا معنى الإباحة الشرعية لا يقال قوله صلّى اللّه عليه و آله رفع عن أمتي ما لا يعلمون يحتمل أمورا منها أنه رفع عن مجموع الأمة ما لا يعلمون يعني أنه لا يمكن فرض تحقق الجهل بأمر من أمور الدّين في الأمة بل فيهم من يعلم جميع أمور الدّين و هذا حقّ إذ من الأمة الإمام عليه السّلام و هو ممن لا يمكن أن يفرض في حقّه الجهل بأمر من أمور الدين و لا ينافي هذا ثبوت الجهل بذلك لكثير من الأمة لأن الرّفع من المجموع لا يستلزم الرفع عن الجميع و على هذا يصحّ حمل قوله صلّى اللّه عليه و آله رفع عن أمّتي الخطاء و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه و الحسد و الطيرة و التفكر و الوسوسة على ظاهره و لا يحتاج إلى إضمار لأن الإمام عليه السلام الذي هو من الأمة لا يتّصف بشيء من ذلك و منها أنه رفع عن كلّ واحد من الأمة ما لا يعلمه جميعهم و منها أنه رفع عن كلّ واحد من الأمة ما لا يعلمه و إن علمه غيره من الأمة و من الظاهر أن الاستدلال بالرّواية على المطلوب إنّما يتجه على الاحتمال الأخير لا على الأوّلين و حيث لم يكن دليل على تعيين إرادته لم يجز التمسّك بها على أن الحمل على الاحتمال الأوّل لعلّه أولى إذ معه لا يلزم ارتكاب الإضمار و لا تخصيص الأمة بغير الإمام عليه السّلام لأنا نقول الظاهر من الرّواية هو الاحتمال الأخير و الاحتمالان الأولان باطلان أمّا أولهما فلأنه يستلزم تخصيص الأمّة بالإمام عليه السلام عند التّحقيق و هو بعيد في الغاية و مع هذا فلا يكون ما ذكر في الرواية مخصوصا بأمّته صلّى اللّه عليه و آله على هذا التقدير لتحققه بالنّسبة إلى الأمم السّابقة لأن أوصياء الأنبياء السّابقين معصومون أيضا لا يتحقق فيهم ما ذكر في الرّواية فيمكن أن يقال رفع عن مجموع أمّة موسى عليه السّلام مثلا جميع ما ذكر في الرّواية و من الظاهر أنّ المقصود في الرواية بيان ما يمتاز به أمّته صلّى اللّه عليه و آله عن سائر الأمم و الامتنان عليهم به و أيضا لا نسلّم عدم تحقق بعض ما ذكر في الرّواية في الإمام عليه السلام لأنّ الإكراه و الاضطرار يمكن فرضها بالنّسبة إليه فيلزم ارتكاب الإضمار في الرّواية على هذا التقدير أيضا فلا يمكن ترجيحه بعدم استلزامه الإضمار كما لا يخفى بل يجب الحكم بمرجوحيته لاستلزامه الإضمار و الحمل على الكلّ المجموعي المخالف للظاهر هذا و الظّاهر أن الاحتمال المذكور مما لم يذهب إليه المحققون من الأصوليّين على الظاهر لاتفاقهم على لزوم التّأويل في الرّواية و إنّما اختلفوا في جهة التّأويل كما لا يخفى على من سبر كتبهم و أما ثانيهما فلأنه مما لم يذهب إليه أحد على الظاهر مع منافاته للامتنان المقصود في الرّواية كما لا يخفى و بالجملة لا إشكال