مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٨٤
مضافا إلى أن التخيير قد يستلزم استدامة الخطاء كما إذا اختار الخبر الّذي هو في الواقع كذب و لا كذلك لو رجع إلى الأصل لأنه لا يلتزم بالترك لنا أو الفعل فقد يفعل و قد لا يفعل فيحصل أحيانا ما هو المصلحة في الواقع و يتحقق العمل بالخبر الّذي هو صدق في الواقع فتأمل ثم إنا نقول عدم جواز الرجوع إلى الأصل لا يستلزم التخيير لجواز أن يقرع هنا و يعمل بما يستخرج منها أو يعمل بهما معا احتياطا أو يتوقف و قد يجاب أنه إذا بطل الرجوع إلى الأصل تعين التخيير إذ لا قائل بالرجوع إلى القرعة في المسألة على الظاهر و لا العمل بالاحتياط مع اختصاصه بما إذا كان مفاد أحد الخبرين وجوب فعل دون غيره و مفاد الآخر وجوب الغير دونه فإنه حينئذ يمكن الحكم بالإتيان بهما احتياطا بناء على حصول الظن منهما باشتغال الذّمة بفعل و حصول الشّك في ذلك فلا بد من الإتيان بجميع ما يحتمل الاشتغال به تحصيلا للبراءة اليقينية و لكن إذا كان مفاد أحدهما وجوب فعل و مفاد الآخر حرمته فلا يمكن الاحتياط جدا و أما التوقف فهو و إن كان له قائل إلا أنه لا يجوز الاعتماد عليه من طريق آخر و هو عدم جوازه في بعض الصور و لزومه الضّرر في آخر و منها جملة من الأخبار منها المرسل المروي عن العالم عليه السلام بأيهما أخذت من باب تسليم وسعك و منها صحيحة عليّ بن مهزيار قال قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه السلام اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله عليه السلام في ركعتي الفجر في السفر فروى بعضهم صلّهما في المحل و روى بعضهم لا تصلهما إلا على الأرض فأعلمني كيف تصنع أنت لأقتدي بك في ذلك فوقع عليه السلام موسع عليك بأية عملت و منها خبر الحسن بن الجهم عن الرضا عليه السلام قال قلت له تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة فقال ما جاءك عنّا فأعرضه على كتاب الله عز و جل و أحاديثنا فإن كان يشبههما فهو منا و إن كان لم يشبههما فليس منا قلت يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين و لا نعلم أيهما الحق فقال إذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت و منها ما روي عن العوالي عن العلامة الحلّي مرفوعا إلى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال سألته فقلت جعلت فداك يأتي عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان فبأيّهما أخذ فقال عليه السلام يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذ النادر فقلت يا سيّدي إنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم فقال عليه السلام خذ بقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك فقلت إنهما معا عدلان مرضيّان موثقان فقال انظر ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه و خذ بما خالفهم فإن الحق فيما خالفهم قلت ربما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع فقال إذن فخذ بما فيه الحائط لدينك و اترك ما خالف الاحتياط فقلت إنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع فقال إذن فتخير أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر و منها ما رواه في الوسائل فإنه قال أحمد بن علي الطبرسي في الاحتجاج في جواب مكاتبة محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى صاحب الزّمان عليه السّلام يسأله عن المصلي إذا قام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبر إلى أن قال عليه السّلام في الجواب إن في ذلك حديثين أمّا أحدهما فإنه إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى فعليه التكبير و أما الآخر فإنه روي أنه إذا رفع رأسه من السّجدة الثانية فكبر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير و كذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى و بأيّهما أخذت من باب التسليم كان صوابا و منها خبر الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا سمعت من أصحابك الحديث و كلّهم ثقة فموسّع عليك حتى ترى القائم عليه السلام فترد إليه و منها خبر أحمد بن الحسن الميثمي عن الرّضا عليه السلام أنه قال إذا ورد عليكم عنا فيه الخبر باتفاق من يرويه في النهي و لا ينكره و كان الخبران صحيحين باتفاق الناقلة فيهما فيجب الأخذ بأحدهما أو بهما جميعا أو بأيّهما شئت فأحببت موسّع ذلك لك من باب التسليم لرسول الله صلى اللَّه عليه و آله و الرّد إليه و إلينا و كان تارك ذلك من باب العناد و الإنكار و قد يناقش في هذه الحجة بأن سند جملة من الأخبار المذكورة ضعيف و دلالة البعض قاصرة و مع ذلك فهي بأسرها معارضة بأخبار كثيرة دالة على لزوم التوقف منها ما رواه في الوسائل عن محمد بن إدريس نقلا من كتاب مسائل الرحال عليّ بن محمد أن محمد بن عليّ بن عيسى كتب إليه يسأله عن العلم المنقول إلينا عن آبائك و أجدادك عليهم السلام قد اختلف علينا فيه فكيف العمل به على اختلافه أو الرّد إليك فيما اختلف فيه فكتب ما علمتم أنه قولنا فالزموه و أما لم تعلموه فردّوا إلينا و منها خبر جابر عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال انظروا إلى أمرنا و ما جاءكم عنا فإن وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به و إن لم تجدوه موافقا فردوه و إن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده و ردوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا و منها موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمر بأخذه و الآخر ينهاه كيف يصنع قال يرجه حتى يلقى من يخيره فهو في سعته حتى يلقاه و منها موثقة ابن بكير المرسلة عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال إذا جاءكم عنا حديث فوجدتم عليه شاهدا أو شاهدين من كتاب الله فخذ رأيه و إلا فقفوا عنده ثم ردوه إلينا حتى يستبين لكم و منها خبر عمر بن حنظلة قال سألت أبا عبد الله عليه السلام إن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال تنظر فيما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به إلى أن قال قلت فإن وافق قول حكامهم الخبرين جميعا