مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٧٠٧
أولوية التأسيس على التأكيد لما عرفت سابقا من أن الأخذ بالمقرر و الموافق للأصل يستلزم التأكيد و الأخذ بالناقل و المخالف يستلزم التأسيس لأنا نقول ما ذكر ضعيف أما أولا فللمنع من دوران الأمر بين التّأسيس و التأكيد لأن فهم الأصل الذي أحد الخبرين المتعارضين موافق له لا يكون متحققا لكل أحد حتى يلزم التأكيد بذكر الخبر الموافق بل قد لا يفهمه الأوحدي و لأن ذكر الخبر الموافق للأصل لعله وقع في مقام جواب سؤال السائل فلا يلزم التأكيد به و بالجملة إن ادعى لزوم التأكيد بمجرد ذكر الموافق للأصل و إن لم يعرفه المخاطب فهو غلط إذ التأكيد ليس إلا تقوية الفهم و لا يتحقق إلا بعد تحقق أصل الفهم بشيء و هذا غير متحقق و إن ادعى لزوم التأكيد باعتبار أن كل أحد يفهم الأصل فيكون ذكر الموافق له تأكيدا فهو أيضا غلط لما بيناه سلمنا صدق التأسيس و التأكيد حقيقة في محلّ البحث و لكن نمنع من أولوية التّأسيس على التّأكيد مطلقا لعدم الدليل على ذلك إذ ليس منصوصا عليه في آية أو رواية أو كلام أهل اللّغة حتى يتمسّك بإطلاق العبارة و لا مما يشهد به العقل و القدر و الذي يشهد به العقل غير المفروض كما لا يخفى سلمنا وجود دليل مطلق يقتضي الحكم بأولوية جميع أفراد التأسيس على التأكيد و لكنه معارض بعموم ما دل على مرجوحية زيادة التخصيص و التعارض بينهما من قبيل تعارض العمومين من وجه و من الظاهر أن الأخير أولى و لا يقال الغالب فيما ورد عن الأئمة عليهم السلام بيان الأمور المخالفة للأصل فيلحق محل البحث به عملا بالاستقراء المفيد للظن فيلزم ترجيح الناقل لأنا نقول ذلك غير مسلم لعدم الدّليل عليه سلمنا و لكن الظن الحاصل من انضمام الأصل مع الخبر أقوى فتأمل و لا يقال يعارض ما ذكر إطلاق الأخبار الكثيرة الدّالة على التخيير في العمل بأحد الخبرين المتعارضين لأنا نقول لا نسلم شمول الإطلاق المذكور لمحلّ البحث لظهور انصرافه إلى صورة عدم كون الظن الحاصل من أحد الخبرين أقوى و قد بيّنا أن الظن الحاصل من الخبر الموافق للأصل أقوى فلا ينصرف إليه الإطلاق سلمنا و لكن يجب تقييده بما دل على لزوم العمل بأقوى الظنين كما قيّدوه بالنسبة إلى أكثر المرجّحات السّابقة مع أنه معارض بإطلاق الأخبار الدالة على لزوم العمل بالاحتياط حيث يكون مقتضى الأصل موافقا فتأمل و لا يقال يعارض ما ذكر إطلاق الأخبار الدالة على لزوم الأخذ بالحديث المتأخر لأنا نقول هذه الأخبار لا يجوز الاعتماد عليها لما بيّناه سابقا و لأنه قائل بمضمونها هنا كما لا يخفى و بالجملة الأخذ بالموافق للأصل المفروض هو الأقرب و ربما يقال أن الموافقة للأصل بالمعنى المذكور ليس من محل بحث القوم كما يشعر به بعض كلماتهم و إن أطلقوا لفظ الأصل و كان شاملا للأصل المفروض فتأمل و إذا كان أحد الخبرين موافقا للأصل مستندا إلى عموم و الآخر موافقا لأصل آخر مستندا إلى عموم هو أعم من مستند الأصل الأول فلا يبعد ترجيح الموافق للأصل المستند إلى عام أخصّ و وجهه يظهر بالتّدبر و منها أن يكون الخبران المتعارضان الموافق أحدهما للأصل من الأئمة عليهم السلام و يكون الأصل مستنده عقل أو نقل يدل على لزوم العمل به حيث يحصل العجز عن معرفة الواقع علما أو ظنا فيكون وجوب العمل به من باب التعبد الصّرف كالحكم بملكية ما في يد المسلم و لا يكون الحكم المستفاد من هذا الأصل حكما واقعيا يكون محل الخطاء و الصواب بل ليس المستفاد منه إلا الحكم الظاهري مثال ذلك أن يرد عن الصادق عليه السلام لا يجب الاستهلال في آخر شعبان و يرد عنه عليه السلام أيضا يجب ذلك فإن الأول موافق لأصالة براءة الذّمة التي هي حجة تعبد أو حيث يحصل العجز عن معرفة الواقع علما و ظنا بخلاف الثاني و من ذلك أيضا أن يرد عنه عليه السلام أن خيار الغبن لا يكون فوريا بل هو موسع و يرد عنه أيضا أن خيار الغبن فوري فإن الأول موافق لاستصحاب الخيار و أصالة بقاء التي هي حجة تعبدا لا باعتبار إفادته الظن فإن ما دل على حجية الاستصحاب عندنا و هو العموم الدال على عدم جواز نقض اليقين بالشك لا يفيد إلا ما ذكرنا لا يخفى و من ذلك أيضا أن يرد عنه عليه السلام أنه يجب السّورة في الصلوات اليومية و يرد عنه عليه السلام أيضا لا يجب و قلنا بأن ألفاظ العبادات موضوعة للصحيح فإن الأول حينئذ موافق لأصالة وجوب تحصيل البراءة اليقينية عند التيقن باشتغال الذّمة بالتكليف و هي إنما تكون حجة بعد العجز عن الاجتهاد و معرفة الحكم الواقعي علما أو ظنا و بالجملة إذا كان أحد الخبرين المتعارضين المتكافئين موافقا لأصالة براءة الذّمة أو للاستصحاب أو لقاعدة لزوم الاحتياط و تحصيل البراءة اليقينية أو لأصالة حمل فعل المسلم على الصحّة أو لأصالة طهارة ما شك في تنجسه بالنجس أو لنحو ذلك فهو من المفروض و في ترجيح المقرر حينئذ إشكال من أن هذا القسم من المرجح لا يفيد الظن بالحكم الواقعي كما يفيده الخبران المتعارضان فلا يتقوى الظن المستفاد من الخبر الموافق للأصول المزبورة بها فلا يحصل المناط في الترجيح مضافا إلى إطلاق الأخبار الكثيرة الدّالة على التخيير و شهرة القول بتقديم الناقل الّتي حكاها جماعة و من أن تقديم الناقل حينئذ مستلزم لارتكاب التخصيص فيما دل على حجية الخبر الموافق للأصول المذكورة و فيما دل على حجّيتها و لا كذلك الأخذ بالمقرر فإنه لا يلزم منه الارتكاب التخصيص فيما دل على حجية الناقل و من الظاهر أن ارتكاب تخصيص واحد أهون من ارتكاب تخصيص و أن الخبرين بعد تعارضها يتساقطان فيبقى الأصول المذكورة سليمة عن المعارض فيلزم العمل بها و أنه يحصل من الخبر الموافق لها الظن بالحكم الواقعي و مما دل على حجية الأصول المذكورة من العمومات الشرعية يحصل الظن بالحكم الظاهري فيتقوى الخبر الموافق لها و لا كذلك الخبر المعارض له فيكون الأول أولى بالترجيح و أما إطلاق الأخبار الدّالة على