مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٥٤٩
الأحوال متساويا و أما في الشريعة فهو كل من كان عدلا في دينه و عدلا في مروته و عدلا في أحكامه فالعدل في الدين أن لا يخل بواجب و لا يرتكب قبيحا و قيل لا يعرف بشيء من أسباب الفسق و في المروة أن يكون مجتبنا للأمور التي تسقط المروة مثل الأكل في الطرقات و لبس الثياب المصبغات للنساء و ما أشبه ذلك و العدل في الأحكام أن يكون بالغا عاقلا و منها ما صار إليه الشيخ في النهاية فقال العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين و عليهم هو أن يكون ظاهره ظاهر الإيمان ثم يعرف بالستر و الصّلاح و العفاف و الكفّ عن البطن و الفرج و اليد و اللسان و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار و يكون ساترا لجميع عيوبه و يكون متعاهدا للصلوات الخمس مواظبا عليهنّ حافظا لمواقيتهن على حضور جماعة المسلمين من غير تخلف عنهم إلا لمرض أو علّة أو عذر و منها ما صار إليه الشيخ في العدة فقال أما العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين على الآخر فهو أن يكون الراوي معتقدا للحق مستبصرا ثقة في دينه متحرزا عن الكذب غير متهم فيما يرويه و منها ما أشار إليه في البحار فقال الأشهر في معناها أن لا يكون مرتكبا للكبائر و لا مصرّا على الصغائر و الظاهر من صاحب الكفاية المصير إليه و منها ما صار إليه في المختلف و القواعد و الإرشاد و التحرير و تهذيب الأصول و نهاية الأصول و المنية و الدروس و الذكرى و التنقيح و الروضة و الروض و جامع المقاصد و المعالم و الرياض من أنها هيئة و ملكة و كيفية راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى و المروة و زاد في التحرير و المنية و الذكرى و جامع المقاصد و الروضة و الرياض فقالوا يحصل بالامتناع عن الكبائر و عن الإصرار على الصغائر و الإكثار منها انتهى و حكي هذا التعريف في المدارك و الذخيرة عن المتأخرين و في مجمع الفائدة هو المشهور في الفروع و الأصول و في كشف اللثام تعريفها بين العامة و الخاصة في الفروع و الأصول مشهور بذلك انتهى و عزاه في التنقيح إلى الفقهاء و ظاهره اتفاق جميع أصحابنا عليه و لا بعد فيه لإمكان تنزيل الأقوال المتقدمة عليه و ممّن صرّح من العامة بالتعريف المذكور الحاجبي و العضدي و الغزالي فيما حكي عنه و يظهر من الأحكام المصير إليه و التحقيق عندي أن يقال إن لفظ العدالة إذا ورد في خطاب الشارع و المعصوم عليه السلام وجب حمله على معناه اللغوي و هو على ما في المبسوط و السرائر أن يكون الإنسان متعادل الأحوال متساويا و على ما في المدارك الاستواء و الاستقامة و على ما في الإحكام التوسط في الأمور من غير إفراط في طرف الزيادة و النقصان قال و منه قوله تعالى و كذلك جعلناكم أمة وسطا أي عدلا و الوسط و العدل بمعنى واحد ثم قال و قد يطلق في اللغة و يراد به المصدر المقابل للجور و هو إنصاف الغير بفعل ما يجب له و ترك ما لا يجب و الجور في مقابله و قد يطلق و يراد به ما كان من الأفعال الحسنة يتعدى من الفاعل إلى غيره و منه يقال للملك المحسن إلى رعيته عادل انتهى فيكون المعنى اللغوي هو متعلق الخطاب و مناط الحكم الشرعي لأنه المعنى الحقيقي و قد تقرر أن الخطاب الشرعي يجب حمله على معناه حيثما تجرد عن القرينة لا يقال هذا حسن لو لم يثبت نقل اللفظ المذكور عن المعنى اللغوي و أما معه فلا لأن المعنى المنقول إليه معنى حقيقي أيضا و من الظاهر أن اللفظ المذكور قد صار منقولا عن المعنى اللغوي إلى معنى آخر لظهور كلام المحققين من الخاصة و العامة فيه لأنا نقول لا نسلم ثبوت النقل في زمن صدور الخطاب المفروض بل ينبغي الحكم بعدمه لأن الأصل تأخّر الحادث و حينئذ يجب الحكم بوجوب حمل اللفظ المذكور على معناه اللغوي لانحصار معناه الحقيقي حال صدور الخطاب المفروض فيه و بالجملة مجرد النقل عن المعنى اللغوي لا يقدح في حمل اللفظ عليه و هو واضح نعم إن ثبت نقل اللفظ المذكور إلى خلاف معناه اللّغوي في زمن صدور الخطاب و ثبت كون المعنى الثاني هو المعنى الحقيقي عند من صدر منه الخطاب لم يجز الحكم بوجوب حمل الخطاب المفروض على معناه اللغوي لأن الواجب حمل الخطاب المجرد عن القرينة على ما هو معنى حقيقي له حال الخطاب و عند المخاطب لا مطلقا و لكن ذلك غير معلوم لعدم الدليل عليه بل أصالة تأخر الحادث تقتضي عدمه لا يقال المستفاد من كلام جملة ممن تقدم إليه الإشارة ثبوت صيرورة اللفظ المذكور منقولا عن معناه اللغوي إلى غيره في زمن صدور الخطاب المفروض لأن قولهم العدالة في الشريعة و شرعا في مقابلة المعنى اللغوي يدل على ذلك مضافا إلى ظهور كون القصد في التعرض لتعريف اللفظ المذكور بيان ما ثبت كونه معنى حقيقتا له في زمن صدور الخطاب و كلام هؤلاء و أخبارهم حجة و لا يقصران عن كلام نحو الجوهري و سيبويه و أخبارهما في المسألة اللغوية لأنا نقول لا نسلم ذلك و نمنع من دلالة قولهم في الشريعة و شرعا على ذلك و نمنع أيضا من كون القصد في التعرض لذلك بيان ذلك لاحتمال كون القصد بيان ما اصطلحوا عليه كما في تعريف المعاملات كالبيع و الصلح و الإجارة لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية فيها و ربما يستفاد هذا من كلام الآمدي و من جماعة منهم المقدس الأردبيلي رحمه الله فإنه قال لا بد من بيان كون العدالة ما هي فنقول و ما يعرف لها معنى شرعيا منقولا عن الشارع و ما ذكر في كلام البعض فيحتمل أن يكون اصطلاحا منقولا عن الشرع و العرف فلم يكن حجة نعم مناسب للمعنى اللغوي و هو الاستقامة و عدم الميل إلى جانب لأن الفاسق