مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٥٦
و شكّ في الحدث الحكم ببقاء الطهارة و إن عارضه أصالة بقاء اشتغال الذمة بالعبادة لامتناع العمل بهما معا في الجملة و هذا الاحتمال في غاية القوة لنا على العمل بالاستصحابين في صورة التمكن منه أنهما دليلان شرعيان يمكن العمل بهما فيجب و لنا على تقدم استصحاب الموضوع في صورة عدم إمكان العمل بهما كثير من الأخبار الواردة في بيان حجية الاستصحاب فإنه قدم فيه استصحاب الموضوع كما لا يخفى و مع هذا فلو لزم التوقف هنا لزم سقوط حجية الاستصحاب غالبا و هو خلاف ظواهر النّصوص و الفتاوى فتأمل و رابعها ما أشار إليه بقوله الرابع أن يكون الحكم الشرعي المترتب على الأمر الوضعي المستصحب ثابتا في الوقت الأول إذ ثبوت الحكم في الوقت الثاني فرع لثبوت الحكم في الأول فإذا لم يثبت في الزمان الأول فكيف إثباته في الزمان الثاني مثلا باستصحاب عدم المذبوحية في المسألة المذكورة لا يجوز الحكم بالنّجاسة لأن النجاسة لم تكن ثابتة في الوقت الأول و هو وقت الحياة و السّر فيه أن عدم المذبوحية لازم لأمرين الحياة و الموت حتف أنفه و الموجب للنجاسة ليس هذا اللازم من حيث هو بل ملزومه الثاني أعني الموت فعدم المذبوحية لازم أعم لموجب النجاسة فعدم المذبوحية العارض للحياة مغاير لعدم المذبوحية العارض للموت حتف أنفه و المعلوم ثبوته في الزمان الأول لا الثاني و ظاهر أنه غير باق في الوقت الثاني ففي الحقيقة يخرج مثل هذه الصّورة من الاستصحاب إذ شرطية بقاء الموضوع و عدمه هنا معلوم و ليس مثل التمسّك بهذا الاستصحاب إلا مثل من تمسّك على وجود عمرو في الدار في الوقت الثاني باستصحاب الضاحك المتحقق بوجود زيد في الدار في الوقت الأول و فساده غني عن البيان و خامسها ما أشار إليه بقوله الخامس أن لا يكون هناك استصحاب آخر في أمر ملزوم لعدم ذلك المستصحب مثلا إذا ثبت في الشرع أن الحكم بكون الحيوان ميتة يستلزم الحكم بنجاسة الماء القليل الواقع ذلك الحيوان فيه لا يجوز الحكم باستصحاب طهارة الماء و لا بنجاسة الحيوان في مسألة من رمى صيدا فغاب ثم وجد في ماء قليل يمكن استناد موته إلى الرّمي و إلى الماء و أنكر بعض الأصحاب ثبوت هذا التلازم و حكم بكلا الأصلين بنجاسة الصّيد و طهارة الماء و لكن قد عرفت سابقا أن طهارة الأشياء ليست بالاستصحاب في وقت بل بالأصل بمعنى القاعدة المستفادة من الشرع و كذا النجاسة قبل ثبوت الرافع الشرعي لأن الحكم وقع في الإخبار في بيان تطهير النجس بالغسل في الثوب و البدن و الإناء و إعادة الصّلاة قبله و هو صريح في بقاء النجاسة إلى خبر الغسل فيكون بقاء النجاسة إلى خبر الغسل مدلولا للأخبار فلا يكون بالاستصحاب و كذا وقع الأمر بإهراق الماء القليل النجس و النهي الظاهر في الدوام عن التوضي و الشرب من الماء النجس و هو كالصّريح في استمرار النجاسة و ورد الأمر في حق المربية للصّبي تغسل قميصها في اليوم مرة و ورود النهي عن الصّلاة في الثوب المشتري من النصراني قبل غسله و تعجبه عليه السلام في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع حين سأله عن الأرض و السطح يصيبه البول و ما أشبهه هل يطهره الشمس من غير ماء قال كيف تطهر من غير ماء إلى غير ذلك مما يدلّ على بقاء النجاسة و إذا كان بقاء النجاسة إلى حين المطهر الشرعي منصوصا في الروايات فكيف يمكن القول بأنه بالاستصحاب ففي بعض الأمثلة المذكورة في شرائط الاستصحاب قد انضم إليه من آخر من الأدلة و هو الأصل بمعنى القاعدة فالأمثلة للتوضيح و قد يمكن اشتراط شروط آخر غير ما ذكرنا لكن الجميع في الحقيقة يرجع إلى انت فاء المعارض و عدم العلم و الظن بالانتفاء انتهى و ينبغي التنبيه على أمور الأوّل لا إشكال و لا شبهة في أنّه يشترط في الاستصحاب بقاء الموضوع الصرف الذي تعلق به الحكم الشرعي الذي شك في بقائه فلو لم يبق لم يجر فيه فلا يجوز الحكم بنجاسته الملح الحاصل من استحالة الكلب باعتبار الاستصحاب و ذلك لأن القدر المتيقن من النصوص و الفتاوى الدالة على حجية الاستصحاب هو صورة بقاء الموضوع كما لا يخفى فيبقى غيرها مندرجا تحت الأصل و العمومات المانعة من العمل بغير العلم فتأمل و لأنه إذا تغير الموضوع اندرج تحت موضوع حكم آخر يضاد الأول فلا يمكن فيه التمسّك بالاستصحاب و قد أشار إلى هذا الشرط جدي قدس سره في الرسالة الاستصحابية فقال و اعلم أيضا أنه إذا استحال موضوع الحكم لا يجري فيه الاستصحاب مثل أن صار الكلب ملحا و العذرة دودا و الميتة ترابا و الدّهن النجس دخانا و مثل أن احترق نجس فصار رمادا و كذلك الانتقال مثل أن ينتقل دم الآدمي إلى القمل و البرغوث و البق و غير ذلك من نظائر ما ذكرنا في الموضعين لأن النجس هو الكلب و العذرة و الميتة لا الملح و الدود و التراب و قس على ما ذكر غيره و تأمل بعض المتأخرين في ذلك و ليس بشيء ثم اعلم أن تغير الموضوع على أقسام منه ما يعلم جريان الاستصحاب معه و منه ما يظن بالجريان و منه ما يشك في الجريان و منه ما يظن العدم و منه ما يجزم بالعدم و الشك في موضع تعارض الاستصحاب مع استصحاب آخر يقاومه أو قاعدة أخرى كذلك و الظن من جهة مصادمة ما هو أقوى منه أو أضعف و لا بد للمجتهد من ملاحظة ذلك انتهى و إذا شك مع بقاء الموضوع فينبغي أن لا يتمسّك بالاستصحاب لأن الشك في الشرط يقتضي الشك في المشروط ثم إن الشك في ذلك تارة يحصل بحصول تغيير في الموضوع يوجب الشك في بقائه كما في الفحم المسبوق بالخشبية و أخرى باعتبار الاشتباه في أصل موضوع الحكم كما في الماء المتغير بالنجاسة