مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٧٠٦
استفدنا منه ما يتمكن العقل من معرفته و منها ما أشار إليه في النهاية و المنية و المعالم من أن العمل بالنّاقل يقتضي تقليل النسخ لأنه يزيل حكم العقل فقط بخلاف المقرّر فإنه يوجب تكثيره لإزالته حكم الناقل بعد إزالة الناقل حكم العقل قال في النهاية اعترض عليه بأن ورود الناقل بعد ثبوت حكم الأصل ليس بنسخ لأن دلالة العقل إنما تفيد بشرط عدم دليل السمع فإذا وجد انتفي دليل العقل فلا يكون السّمعي رافعا لحكم العقلي بل يكون مبيّنا لانتهائه فلا يكون ذلك خلاف الأصل و لأنه معارض بأنا لو جعلنا المبقي متقدما لكان المنسوخ حكما ثبت بدليلين العقل و السّمع و هو أشدّ مخالفة لأنه نسخ للأقوى بالأضعف و منها ما أشار إليه في غاية المأمول فقال بعد الإشارة فقال بعد الإشارة إلى الحجة الأولى و لأن تقديم المقرر على الناقل يستلزم حمل كلام الشارع على التأكيد و تقديم الناقل يستلزم التأسيس و هو أولى من التأكيد انتهى و قد صرّح بما ذكره في شرح المبادي أيضا و للقول الثاني ما أشار إليه في النّهاية و المنية و المعالم من أن حمل الحديث على ما لا يستفاد إلا من الشرع أولى من حمله على ما يستقل العقل بمعرفته إذ فائدة التأسيس أقوى من فائدة التأكيد و حمل كلام الشارع على الأكثر فائدة أولى و الحكم بترجيح الناقل يستلزم الحكم بتقديم المقرر عليه و ذلك يقتضي كونه واردا حيث لا حاجة إليه لأن مضمونه معلوم إذ ذاك بالعقل فلا يفيد سوى التأكيد و قد علم مرجوحيته بخلاف ما إذا رجحنا المقرر فإن ترجيحه يقتضي تقديم الناقل عليه فيكون كلّ منهما واردا في موضع الحاجة أما الناقل فظاهر و أما المقرر فلوروده بعده فيؤسس ما رفعه الناقل فيكون هذا أولى قال في المعالم هذه الحجة و حجّة القول الأول لا تنهضان لإثبات المدعى و هو جيد و في المنية بعد الإشارة إلى هذه الحجة و فيه نظر فإن فيه اعترافا برجحان الناقل على المقرر و هو مدعى الأوّلين و رجحان المقرر على الناقل من الوجه الذي ذكره إنما يتحقق إذا جمعنا بين الحديثين و لم يرد أحدهما و ليس ذلك من لوازم التعارض إذ لا يتأتى إلا فيما إذا علم اتحاد تاريخ الحديثين انتهى و للقول الثالث ما ذكره في غاية المأمول فقال ذهب بعضهم إلى التّساوي بينهما بناء على أن الظاهر أن المقرر إنما ورد بعد النّاقل إذ لو قدر تقدم المقرّر في الورود على الناقل كانت فائدته التأكيد و لو تأخر عنه في الورود كانت فائدته التأسيس و هو أولى من التأكيد فيتأخر عنه و حينئذ يقع التعارض بين جهتي ترجيح المقرر و الناقل فيتساويان انتهى و للقول الرابع و الخامس ما ذكره في المعارج و غاية المأمول و قد تقدم ذكره و التحقيق في هذا المقام أن يقال أن المسألة تنحل إلى صور كما صرّح به في المعارج و غيره منها أن يكون الخبران المتعارضان الموافق أحدهما للأصل من الأئمة عليهم السلام و يكون الأصل مستنده عمومات الكتاب و السّنة الموجبة للظن بالحكم الواقعي الّذي هو محل الصّواب و الخطأ و الكاشفة عنها مثال ذلك أن يرد عن الصادق عليه السلام يصح بيع المعاطاة و يرد عنه أيضا لا يصحّ بيع المعاطاة فإن الأول موافق لأصالة صحة البيع المستندة إلى عموم قوله تعالى أحل الله البيع الكاشف عن الواقع و الموجب للظن و الثاني مخالف لها و من ذلك أيضا أن يرد عنه عليه السلام يحل أكل الفاكهة الفلانية و يرد عنه أيضا لا يحل أكل تلك الفاكهة فإن الأول موافق لأصالة إباحة الأشياء المستندة إلى عموم قوله تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا الكاشف عن الواقع و الموجب للظن به دون الثاني و من ذلك أيضا أن يرد عنه عليه السلام يلزم الوفاء بالشرط الفلاني و يرد عنه أيضا لا يلزم ذلك فإن الأول مستند إلى أصالة لزوم الوفاء بالشروط المستندة إلى عموم قوله المؤمنون عند شروطهم الكاشف عن الواقع و الموجب للظن به دون الثاني و من ذلك أيضا أن يرد عنه عليه السلام يجب السّورة في الصّلوات اليومية و يرد عنه عليه السلام أيضا يجب السّورة فيها فإن الأوّل موافق لأصالة صحة الصّلاة مطلقا المستندة إلى العمومات الآمرة بها نحو قوله تعالى أقيموا الصّلاة الكاشفة عن الواقع و الموجبة للظن به دون الثاني و ذلك مبني على القول بأن ألفاظ العبادات موضوعة للأعم من الصحيح و الفاسد و من ذلك أيضا أن يرد عنه عليه السلام لا يجب على متعمد الجنابة الغسل إذا تضرر به و لزم الحرج و يرد عنه صلى اللَّه عليه و آله أيضا يجب عليه الغسل و إن أصابه ما أصابه فإن الأول موافق لأصالة نفي الضرر و نفي الجرح المستندة إلى العمومات النافية للضرر و الحرج الكاشفة عن الواقع و الموجبة للظن به دون الثاني و بالجملة أمثلة ما فرضناه كثيرة في الغاية و يلزم فيه ترجيح الخبر الموافق للأصل و الأخذ به و ترك المعارض له سواء كان المتعارضان عن إمام واحد أو أحدهما من إمام و الآخر من آخر و سواء علم بتقدم الموافق للأصل أو تأخره أو جهل التاريخ و سواء كانا قطعيين سندا و ظنين دلالة أو بالعكس أو ظنيين سندا و دلالة و ذلك لأن الخبر الموافق للأصل المذكور يفيد بنفسه الظن بالحكم الواقعي كالمعارض له فإذا وافقه الأصل المذكور المفيد بنفسه الظن بالحكم الواقعي تقوى الظن يلزم من ذلك صيرورة المعارض له موهوما فيلزم طرحه لأن المعتبر في باب التراجيح العمل بأقوى الظنين و طرح الموهوم و قد تقدم إليه الإشارة و لأن طرح الخبر الموافق للأصل يلزم منه ارتكاب تخصيصين و محذورين أحدهما تخصيص عموم ما دل على حجيته و دفعه و ثانيهما تخصص العموم الذي هو مستند للأصل الموافق و لا كذلك طرح الخبر المعارض فإنه لا يلزم منه إلا تخصيص واحد و هو التخصيص الأول و من الظاهر أنه إذا دار الأمر بين ارتكاب محذورين و ارتكاب محذور واحد كان الثاني أولى و لأن ما دل على اعتبار أكثر المرجحات السابقة يدل بفحواه على اعتبار المرجح المفروض و هو الأصل المشار إليه هذا و سيأتي تصريح بعض بأن كثرة الأدلة من المرجحات لا يقال يعارض ما ذكر