مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٠٦
أنا فيه أتم من الوثوق باجتهاد غير الصحابة و ما مثل هذا التفاوت فغير واقع بين الصّحابة و على هذا فلا يلزم من جواز تقليد غير الصحابي للصحابي و منها العمومات الدالة على عدم جواز العمل بغير العلم خرج منها بعض الصور و لا دليل على خروج محلّ البحث فيبقى مندرجا تحتها و للآخرين وجوه أيضا منها ما تمسّكوا به على ما حكاه عنهم العضدي فقال قالوا أولا قال الله تعالى فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون و هو قبل الاجتهاد لا يعلم و الآخر من أهل الذكر فوجب عليه السؤال للعمل به و هو المطلوب انتهى و أجيب عنه بوجوه الأول ما أشار إليه في النهاية فقال بعد الإشارة إلى تمسكهم بالوجه المذكور و الجواب عنه أن الأمر يقتضي وجوب السؤال و هو منفي في حق العالم إجماعا انتهى و فيه نظر لأنه إن أريد من العالم الذي حكم بنفي وجوب السؤال في حقّه من علم حكم المسألة بالنظر في دليلها فهو مسلم و لكنه غير محلّ البحث و إن أريد منه محلّ البحث و هو الذي لا يعلم بحكم مسألة خاصّة و إن علم بحكم غيرها فلا نسلم الإجماع على نفي وجوب السؤال في حقه في المسألة الّتي يجهلها فإن القائلين بجواز التقليد له يوجبونه عليه و لكن لا عينا بل تخييرا فلا وجه لما ذكره و لا نسلم أن الأمر موضوع للوجوب العيني بل هو موضوع للأعم من العيني و التخييري و قد يقال المتبادر من إطلاق الأمر الوجوب العيني فيجب حمل الأمر في الآية الشّريفة عليه حملا للفظ إمّا على الموضوع له أو على الفرد المتبادر و هذا الوجوب منفي بالنسبة إلى المجتهد المفروض بالإجماع فيكون متوجها إلى العامي فيبطل التمسك بالآية الشريفة و ليس يتجه ما ذكره في النهاية لظهور أن مراده من الوجوب هذا إلا المعنى الأعم لا يقال لا نسلم نفي هذا الوجو ب بالنسبة إلى هذا المجتهد مطلقا بل هو ثابت له فيما إذا لم يتمكن من الاجتهاد في المسألة التي يجهل بحكمها فيجوز له التقليد و إذا جاز له التقليد حينئذ جاز مطلقا لعدم القائل بالفصل لأنا نقول هذا خيال ضعيف في الغاية فإن الصورة المفروضة خارجة عن محلّ البحث و إن عد القوم القول بوجوب التقليد في هذه من الأقوال في المسألة فتدبر و لا يقال الأمر بالسؤال بالنسبة إلى من لم يبلغ رتبة الاجتهاد القادر على تحصيله بسهولة ليس للوجوب العيني لتمكنه من تحصيل الاجتهاد فلا يمكن أن يكون التقليد حينئذ واجبا عينيا فالمراد منه التخييري بالنّسبة إليه فيلزم منه أن يكون المراد منه التخييري بالنسبة إلى المجتهد المفروض و إلا لزم استعمال اللفظ في الحقيقة و المجاز و هو باطل لأنا نقول هذا الأمر بالنسبة إلى من لم يقدر على تحصيل الاجتهاد للوجوب العيني فلا يجوز أن يراد منه الوجوب التخييري و لو بالنسبة إلى مكلّف آخر لما ذكر فكل من يجب عليه الاجتهاد تخييرا لا يتوجه إليه الأمر المذكور و منه المجتهد المفروض فتأمل الثاني ما أشار إليه في النهاية أيضا فقال بعد الجواب الأول و لأنه يقتضي وجوب السؤال على المجتهد لأنه بعد الاجتهاد غير عالم بل هو ظان و هو منفي بالإجماع انتهى و فيه نظر واضح لأن تخصيص المجتهد بعد اجتهاده من عموم الآية الشريفة بالإجماع المشار إليه لا يقدح في التمسك به بالنسبة إلى المجتهد المفروض إلا على القول بأن العام المخصص ليس حجة في الباقي و هو ضعيف و مع هذا فقد اعترض هو على ما ذكره فقال و فيه نظر لأن المراد بالعلم يحتمل ما يشمل العلم و الظن سلمنا لكن المسئول أهل الذكر أي العالم و المسئول هنا ليس بعالم فامتنع السؤال لتعذره الثالث ما أشار إليه في النهاية أيضا فقال بعد الإشارة إلى الجواب الثاني و لأنه أمر بالسؤال من غير تعيين المسئول عنه فيحمل على السؤال عن وجه الدّليل انتهى و فيه نظر فإن المتبادر من الإطلاق هو السؤال عن الحكم سلمنا عدم التبادر و لكن حذف المتعلق يفيد العموم فيشمل السؤال عن الحكم فتأمل الرابع ما أشار إليه الآمدي في الإحكام و العضدي في شرح المختصر فقال الأول الجواب عن الآية أن المراد بأهل الذكر أهل العلم أي المتمكن من تحصيل العلم بأهليّته فيما يسأل عنه لا من العلم بالمسألة المسئول عنها حاضر عبّد لديه فإن أهل الشيء من هو متأهل لذلك الشيء لا من حصل له ذلك الشّيء و الأصل تنزيل اللّفظ على ما هو حقيقة فيه و على هذا فيختص الآية بسؤال من ليس من أهل الذّكر العلم كالعامي لمن هو أهل له و ما نحن فيه فهو من أهل العلم بالتفسير المذكور فلا يكون داخلا تحت الآية الشريفة لأن الآية الشريفة لا دلالة لها على أمر أهل العلم بسؤال أهل العلم فإنه ليس السّائل بذلك أولى من المسئول و قال الثاني الجواب أن المجتهد من أهل الذكر و الأمر دل على رجوع غير أهل الذكر إلى أهل الذكر و في دلالته على مراده تمحّل لا يخفى الخامس ما أشار إليه في شرح المختصر فقال الجواب الخطاب مع المقلّدين بدليل قوله تعالى إن كنتم لا تعلمون و هو صيغة عموم يفهم من سياقه أن من يعلم لا يجب عليه السّؤال و أن السؤال إنما هو لمن لا يقدر على العلم بنفسه و المجتهد ليس كذلك و منها ما أشار إليه في النهاية فقال احتج المخالف بقوله تعالى أطيعوا الله و الرسول و أولي الأمر منكم و العلماء من أولي الأمر لنفوذ أمرهم على الأمراء و الولاة و في الإحكام و المراد بأولي الأمر العلماء أو غير العالم بطاعة العالم و أدنى درجاته جواز اتباعه فيما هو مذهبه انتهى و أجيب عن هذه الحجة بوجوه منها ما أشار إليه بعض المحققين فقال الجواب يمنع عموم وجوب الطاعة في كل شيء و إن دلت على وجوبها مطلقا فيحمل على وجوب الطاعة في القضايا و الأحكام ثم قال و فيه نظر لأن الغرض بالآية إنما يتمّ بالتعميم لأن المفعول عام بالنسبة إلى الله تعالى فكذا في المعطوف عليه لاتحاد الفعل انتهى و منها ما أشار إليه في الكتاب المذكور فقال و لو دلّت