مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٥٩٢
لزوم العمل بالعلم و التعارض بينهما من تعارض العمومين من وجه و من الظاهر أن الترجيح مع هذه العمومات ثم إنا نلزمكم بقولكم بوجوب الاجتهاد على كل أحد حيث لم يكن أحد يقوم به فما هو جوابكم هنا فهو جوابنا في صورة وجود المجتهد لأنا نقول جميع ما ذكر باطل أما دعوى إمكان حصول العلم بالأحكام الشّرعية الفرعية فلأن العلم بالشيء لا بد و أن يكون مستندا إلى ما يفيده و الّذي يصلح لأن يفيد العلم بالأحكام الشرعية الفرعية أمور منها صيرورتها من ضروري الدّين و المذهب و منها انعقاد الإجماع عليها و منها تواترها معنى و منها دلالة العقل عليها و منها دلالة الخبر المحفوف بالقرائن التي يستحيل معها الكذب عليها و منها الإلهام الإلهي و المكاشفة و من الظاهر أن شيئا مما ذكر لا يحصل للعامي في جميع المسائل الشرعية الفرعية بل لا يحصل للعلماء المجتهدين الّذين يصرفون جميع أوقاتهم في تحصيل الأحكام الشرعية الفرعيّة و يبذلون أنفسهم في معرفتها و بالجملة كل ما يدل على انسداد باب العلم بها على المجتهدين فهو يدل على انسداد ذلك على العوام بطريق أولى لا يقال لا نسلم ذلك بل نقول حصول العلم بالأحكام للعوام أسهل و ذلك لأن العلماء لكثرة تطرق الشبهة عليهم يصعب عليهم تحصيل العلم فإن منع الشبهة لحصول العلم أمر ظاهر بديهي و لذا شرط المرتضى في حصول العلم بالتواتر عدم سبق الشبهة له و أيضا قلة حصول العلم لأهل الوسواس ليست إلا لكثرة الشبهة و الاحتمالات و أيضا العوام يعتقدون في مسائل أصول الدّين بأدنى شيء و لا كذلك العلماء و ليس ذلك إلا لما ذكر فإذا تقرر هذا فنقول إذا رجع العامي إلى الآيات و الأخبار الموجودة الآن المتعلقة بالأحكام حصل له العلم بها و إن لم يكن ذلك موجبا للعلم للعلماء فلا نسلم انسداد باب العلم بالأحكام على العوام و إن سلمناه بالنسبة إلى العلماء لأنّا نقول هذا كلام ضعيف أمّا أولا فلأن حصول العلم بالأحكام للعوام يتوقّف على الرجوع إلى الآيات و الأخبار بقدر ما يحتاج إليه على ما اعترف به و ذلك أمر غير ممكن مع سعيهم فيما لا بد منه من نظم أمور معاشهم كما لا يخفى فنحن لا ندعي عدم تمكنهم من تحصيل العلم مطلقا بل مع ذلك و تكليفهم بعدم الاشتغال تكليف لهم بما لا يطيقونه و لا ينقادون إليه كيف و نحن سهّلنا لهم الأمر بتجويز التقليد و مع هذا لا نرى منهم إلا الأوحدي منهم الانقياد إليه فكيف بما ذكرت و أما ثانيا فلأنا لا نسلم حصول العلم لهم بمراجعة الآيات و الأخبار بل إذا زاولوا المراجعة و استمروا عليها حصلت لهم شبهة عظيمة لا يقدرون على حلها خصوصا بالنّسبة إلى أصحاب الأفكار القوية و الأذهان المستقيمة منهم فإن العوام ليسوا على حد واحد في الفهم و الإدراك و أما ثالثا فلأن الآيات و الأخبار ليست من الأسباب المفيدة للعلم عادة إلاّ بعضها فمن حصل منها العلم كان كمن حصل العلم بخبر الكذوب و كان كالسوداوي الذي يعتقد أشياء من جهة أمور لا توجب ذلك الاعتقاد في عادة العقلاء فما هو جوابك هنا فهو جوابنا فيما نحن فيه و أما رابعا فلأن العوام ينقادون إلى أقوال العلماء حيث يطمئنّون إليهم و يحبّونهم أزيد من الأخبار و يحصل لهم من مراتب شدّة الاعتقاد ما لا يحصل من ملاحظة الأخبار فإن كان الرّجوع إلى الأخبار فإن كان الرّجوع إلى الأخبار يوجب لهم العلم فهذا أولى فيلزمكم على هذا أن يكون الواجب عليهم الاعتماد على فتاوى العلماء بدون الآيات و الأخبار و هو المطلوب و أما خامسا فلأنه يلزم على ما ذكرت من سهولة حصول العلم للعوام دون العلماء أن يكون مرتبة العوام على أن يكون كدّ العلماء و تحصيلهم العلم أمرا فاسدا قبيحا و هذا شيء لا يتخيله إلا أحمق أو مجنون و بالجملة انسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشرعية الفرعية للعوام بل لجميع المكلفين في زماننا بل في كل أزمنة إلا بالنسبة إلى المعصومين عليهم السلام أو من اختص بهم أمر بديهي لا يحتاج إلى بيان و أما احتمال لزوم الاقتصار على ما يعلمه أو يتمكن من تحصيل العلم به بعد تسليم انسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشرعية الفرعية فلوجهين أحدهما أنّه لا قائل به من المسلمين لأنّهم بين فريقين فرقة تدعي أنه يجوز للعامي التعويل على ما لا يفيد العلم فيما لا يعلمه من الأحكام و أرى تدعي وجوب العمل بالعلم في جميع الأحكام فالقول بلزوم الاقتصار على ما يعلم و إن كان في غاية القلّة قول ثالث فيكون باطلا لما تقرر في محلّه و بالجملة الاحتمال المذكور مخالف للإجماع جدّا فلا يجوز المصير إلى وجوب تحصيل العلم بجميع الأحكام لتعذّره كما بيّناه و ثانيهما أن ما يعلمه العامي ليس إلا عنوانات عامة و أمور كلّية ككون الصّلاة واجبة و البيع مشروعا و نحو ذلك و أما كيفية العبادات و المعاملات و شروطها و أحكامها المعلوم ثبوتهما في الجملة بالضّرورة من الدين أو المذهب فلا يتمكن من تحصيل العلم بها و من الظاهر أن العمل لا يتحقق إلا بإيجاد الكيفية فما يعلمه لا ينفعه في العمل لا يعلمه فإذن لو شرطنا التّكليف بفروع الشريعة بالعلم بما في نفس الأمر لزم أن لا يكون مكلفا بها أحد حتى العلماء في هذه الأزمنة بل في جميع الأزمنة بل يلزم هذا بالنسبة إلى جميع الملل و الأديان للقطع بأن انسداد باب العلم بتفاصيل العبادات و المعاملات و أجزائها و أركانها و شرائطها و أحكامها الّتي لا تحصل الأعمال إلا بها أمر لا يختص بطائفة دون أخرى و زمان دون آخر و أمّة دون أمة و إن حصل الاختلاف من جهة أخرى و قد عرفت أن مجرد العلم بعنوان عام ككون الصّلاة واجبة و البيع حلالا و أنه يجب في الصّلاة الركوع و في البيع تعيين الثمن لا ينفع لعمل المكلّف