مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٤٤
راجحا على الحادث من هذا الوجه و فيه نظر إذ لا يلزم من توقف البقاء على الحدوث اشتراط الوجود في البقاء لجواز أن يكونا معنيين و أحدهما مشروط بالآخر و الباقي محتاج إلى الحادث باعتبار ذاته و وصفه إذ لا يراد بالحادث هنا ذات حقيقة بل ما يصدق عليه هذا الاسم سواء كان ذاتا أو صفة قوله ما لم يعرف كونه باقيا لا يثبت رجحانه قلنا لا حاجة إلى ذلك بل نقول هذا الذي وجد الآن لا يمتنع عقلا أن يوجد في الزمان الثاني و أن يعدم لكن احتمال الوجود راجح على احتمال العدم من الوجه الذي ذكرناه فالعلم بوجوده في الحال يقتضي اعتقاد رجحان وجوده على عدمه في باقي الحال فإذن العلم بالأولوية مستفاد من العلم بوجوده في الحال و على هذا التقدير يسقط الدّور قوله الباقي راجح على الحادث في الوجود الخارجي فلم قلت إنه يكون راجحا عليه في الوجود الذّهني قلنا لأن الذهني مطابق للخارجي و إلا كان جهلا و فيه نظر فإن الجهل يلزم لو حكم الذهن بخلاف الخارج أما إذا لم يحكم فلا و في هذا الباب مباحث لا يمكن ذكرها هاهنا لأنها من علم الكلام و قد ذكرناها في كتاب نهاية المرام و منها أن معظم أصحابنا الإمامية على حجيّة الاستصحاب على ما شهد به جماعة من ثقاتهم و محققيهم و هو الظاهر أيضا و الأصل فيما صاروا إليه الحجية بناء على حجية الشهرة و أمّا نسبة صاحب الوافية إلى معظم أصحابنا القول بعدم الحجيّة فلا يصلح لمعارضة أولئك الجماعة من وجوه عديدة لا يخفى و منها أن الاستصحاب لو لم يكن حجة لتظافرت الأخبار بالتّصريح بعدم حجيّة و التحذير من العمل به في الفروع كما اتفق ذلك في القياس و بطلان التالي واضح فتأمل و منها أنّ الاستصحاب لو لم يكن حجة لما جاز التمسّك بأصالة عدم القرينة و أصالة عدم النسخ و أصالة عدم التخصيص و أصالة عدم الاشتراك و أصالة عدم النقل و التالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فواضحة فإنّ مرجع جميع الأصول المذكورة إلى الاستصحاب و أما بطلان التالي فلأنه لو لم يجز التمسّك بها للزم سدّ باب الاستدلال على الأحكام الشرعية بالكتاب و السّنة غالبا بل دائما و التالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة ففي غاية الظهور و أما بطلان التالي فكذلك أيضا و مع ذلك فالأصول المذكورة مجمع عليها لا يستريب فيها أحد من الأصوليين على الظاهر و قد أشير إلى الحجة المذكورة في جملة من الكتب ففي التّهذيب و لأن الأحكام الشرعية مبنية عليه لأن الدليل إنما يتم لو لم يتطرق إليه المعارض من نسخ و غيره و إنما يعلم نفي المعارض بالاستصحاب و في المنية احتج عليه بأن أكثر الأحكام الشرعية مبنية على الاستصحاب فيكون حجة أما الأوّل فلأن الدّليل إنما يجب العمل به إذا لم يطرأ عليه ما يزيل حكمه إما مطلقا كالناسخ أو بعض مدلولاته كالتخصيص للعام و التقييد كالمطلق أو معارضة دليل راجح عليه و لا وسيلة إلى العلم ببقاء ذلك إلا من الاستصحاب و أما الثاني فبيّن و في الرّسالة الاستصحابية و منهم من أنكر حجية الضّرب الأوّل لكن نجد من الجميع حتى المنكر مطلقا أنهم يستدلون بأصالة عدم النقل مثلا يقولون الأمر حقيقة في الوجوب في عرفنا فكذلك لغة لأصالة عدم النقل و يستدلون أيضا بأصالة بقاء المعنى اللغوي فينكرون الحقيقة الشّرعية إلى غير ذلك كما لا يخفى على المتتبع و في بعض شروح المنهاج و أيضا لو لم يكن الاستصحاب حجة لم يكن الأحكام الشرعية الثابتة في زمان النبي صلى اللَّه عليه و آله ثابتة في زماننا أصلا لجواز تطرق النسخ إليها فلم يبق ثابتة لكنّ الأحكام الثّابتة في زمانه صلى اللَّه عليه و آله باقية في زماننا بالاتفاق و لم يكن عليها غير الاستصحاب انتهى و فيه نظر أما أولا فللمنع من أن المرجع و المستند في هذه الاستصحاب لاحتمال الاستناد فيها إلى الظن الحاصل الغلبة و الاستقراء و حجيته في اللغة من المسلمات بل هذا هو الظاهر و مجرد كون صورتها صورة الاستصحاب لا يلزم الاستناد فيها إليه و إلا لزم الاستناد إلى خبر الفاسق حيث يخبر على ما يخبره العادل و مما يشهد بذلك عدم الخلاف في حجية الأصول المذكورة و وقوع الخلاف في حجية الاستصحاب و يشهد بذلك أيضا أعراض كثير من القائلين بحجية الاستصحاب عن التمسّك بالحجة المزبورة و أما ثانيا فلاختصاص هذه الحجة ببعض أفراد محل البحث فلا يمكن إثبات تمامه به و التيمّم بعدم القائل بالفصل هنا غير ممكن لعدم معلوميته بل معلومية عدمه و أما ثالثا فلأن التمسّك بالأصول المذكورة ليس تمسّكا بالاستصحاب في نفس المسائل الفقهية بل في المسائل اللغوية و الأصولية و ليست هي من محل البحث إلا أن يوجّه بعدم القائل بالفصل أو بقاعدة الأولوية و لكنهما محلّ إشكال و منها أن مجرّد تعلق الأحكام الشّرعية بالأفعال لا ينفع في استقرار الدّين و بقائه لاحتمال ارتفاعها بوجود مانع كارتفاع الزوجية بالطلاق و الملكية بالبيع و وجوب الصّلاة بالحيض و نحو ذلك أو بقصور المقتضى لإثبات التعلق بالفعل في جميع الأزمنة فمجرد معرفة وجوب الصّلاة و كون البيع ناقلا للملك و الماء مطهرا غير نافع فلا يبقى الدين و لا ينتفع منه إلا بعد استمرار التعلق نعم الاستمرار مختلف طولا و قصرا و لما لم يجعل في الشريعة حدّ لأفراد الاستمرار علم عقلا أن الأصل في تعلّق الحكم بالفعل استمراره أبدا حتى يثبت الانقطاع من الخارج و يشهد بذلك اقتصار أهل العصمة صلوات الله عليهم أجمعين على بيان حدود الانقطاع و أسبابه دون أصل الاستمرار إذ لو لم يكن ذلك أصلا للزم التعرض أيضا و بنحو هذا يستدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة و ذلك لأنهم صلوات الله عليهم إنما يتعرّضون للمحرّمات و الواجبات و أما الأمور الجائزة فلا يتعرّضون لها بالخصوص أصلا و لعله لذا قال في المنية في جملة كلام له أن الاستصحاب