مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٣٨
نتمسك بالاستصحاب مطلقا كما هو المطلوب فعادة الله تعالى علة للبقاء و هي ربما تورث العلم و ربّما تورث الظن إلى المدة التي تورث فالأمر دائر مع وجود عادة الله تعالى و ثبوت مقدار ما يقتضي فكيف ينفع هذا في الأحكام الشرعية و خصوصا بالنحو الذي هو مطلوبكم أقول تتبع تضاعيف الأحكام الشرعية و خصوصا بالنحو الذي لا يكشف للفقيه أن الحكم الشرعي إذا ثبت لشيء لا يكون آنيا بل يكون باقيا البتة إنما النزاع فيما إذا تغير وصف لموضوع الحكم أو زال ما هو علّة الحكم ظاهر أو حال من أحواله و الأول مثل الماء القليل النجس بالملاقاة يصير كثيرا و كرا و الثاني مثل الكثير المتغير بالنجاسة إذا زال تغيره بنفسه أو المتيمم الفاقد الذي وجد الماء في الصّلاة و الثالث مثل الإناءين وقع في أحدهما بنجاسة ثم اشتبه بالآخر فلو لا هذه التغيرات لم يكن لأحد تأمل في البقاء و من الثالث مسألة حدوث المذي للمتوضي و حصول الشك له في خروج البول و غيرهما و بالجملة كون الحكم الشرعي إذا ثبت فالظاهر بقاؤه إلى أن يظهر خلافه لعله ليس محلّ لتأمّل المتشرعة إلا أن يكون الحكم موقتا بوقت أو مختصا بحال أو فوريا على الخلاف في الفوري و إنما تأملهم في ظهور خلاف حكم الأول بمجرد التغييرات المذكورة و أما مثل الحكم الموقت فهو خارج عن محل نزاعهم ثم إنه غير خفي أن الحكم الشرعي الثابت لا يرتفع الظن ببقائه بمحض تغير وصف مثل القلّة في الماء القليل النجس بأنه إذا اجتمع متعدد منه و اتصل كل واحد من ذلك النجس بالآخر إلى أن صار كرّا فصاعدا فإن الظن ببقاء النجاسة على حالها من دون حصول تفاوت أصلا في غاية القوة بل لو لم يحصل الظن بزيادة النجاسة لم يحصل بنقصها قطعا و لا الشّك كذلك فضلا عن انعدامها بالمرة و حصول الطّهارة شرعا و قريب منه حكم زوال التغيير عن الكر المتغير سواء كان الزّوال بنفسه أو بجسم طاهر ما لم يثبت من الشرع أنه مطهّر له شرعا و أما وجود الماء للمتيمم فبملاحظة أن الصّلاة قبله كانت صحيحة قطعا و بعده صارت مشكوكا فيها يكون حاله حال زوال التغيير لكن بملاحظة أن الطهارة شرط لصحّة الصّلاة و الشك في الشرط يوجب الشك في المشروط و يظهر من الأخبار أنّ شرط صحة الطّهارة الترابية فقد الماء فيحصل الشّك في صحّة الصّلاة بسبب الظن بأن الشرط إذا انتفي المشروط و أما مسألة الإناءين فإن علم النجس منهما بعينه ثم وقع الاشتباه بالنجس يجب احتسابه مطلقا و الآخر من باب المقدمة و كذا حال ما إذا وقع الاشتباه من أول الأمر مثل الإناءين وقع في أحدهما سمّ قاتل و قد بسطنا الكلام في هذه المسألة في حاشيتنا على المدارك و بالجملة إذا ثبت حكم فكون ارتفاعه و ثبوت خلافه شرعا محتاجا إلى دليل شرعي بحيث لو لم يكن الدّليل لكان باقيا على حاله راسخ في قلوب المتشرعة بحيث يصعب عليهم تجويز خلاف ذلك بل و يتعجبون عن التجويز انتهى و ممّا يؤيد أن الاستصحاب لا يفيد الظن أنه لو كان مفيدا للظن لجاز أن يترتب عليه ما يترتب على كل دليل شرعي ظني من تخصيص عام كتابا و سنة و دفع ظاهر منهما و الرجوع إلى المرجح حيث يعارضه ظن آخر كخبر الواحد و التالي باطل فإن المعهود من سيرة الأصحاب خلاف ذلك فإنّهم يرفعون اليد عن الاستصحاب حيث يعارضه ظن معتبر كما لا يخفى لا يقال لعل ذلك لاعتقادهم أن الظن الحاصل من الاستصحاب أضعف من جميع الظنون المعتبرة إذ يترتب على هذا مرجوحية الاستصحاب بالنّسبة إلى جميع تلك الظنون لأنا نقول هذا الاحتمال مقطوع بفساده و لا يقال الاستصحاب و إن كان لا يفيد الظن في جميع موارده إلا أنه قد يفيد الظن في بعض موارده فيلزم أن يكون هنا حجة الأصالة حجيّة الظن و إذا ثبت حجيته في الجملة ثبت مطلقا و لو في صورة فقد الظن إذ لا قائل بالفصل بين الصور لأنا نقول إن الاستصحاب لا يفيد بنفسه الظن في شيء من الموارد و إن اتفق حصول الظن بالبقاء في بعضها فإنما هو لأمر خارجي لا لنفس الاستصحاب فإذن لا يمكن التمسك بالإجماع المركب كما لا يخفى و بالجملة التمسّك بأصالة حجية الظن لإثبات حجية الاستصحاب في غاية الضعف و البعد من الصّواب و منها ما تمسّك به في المعارج فقال لنا إن الثّابت أولا قابل للثبوت ثابتا و إلا لانقلب من الإمكان الذّاتي إلى الاستحالة فيجب أن يكون في الزمان الثاني جائز الثبوت كما كان أولا فلا ينعدم إلا المؤثر لاستحالة خروج الممكن من أحد طرفيه إلى الآخر لا لمؤثر فإذا كان التقدير تقدير عدم العلم بالمؤثر يكون بقاؤه أرجح من عدمه في اعتقاد المجتهد و العمل بالراجح واجب انتهى و ضعف هذه الحجة في غاية الظهور سواء أراد أن الاستصحاب يفيد الظن أم لا و منها ما تمسّك به في المعارج فقال لنا إنه أطبق العلماء على أن مع عدم الدلالة الشرعية يجب إبقاء الحكم على ما يقتضيه البراءة الأصلية و لا معنى للاستصحاب إلا هذا فإن قال قائل ليس هذا استصحابا بل هو إبقاء الحكم على ما كان لا حكما بالاستصحاب هذا القدر و لا نعني به شيئا سوى ذلك انتهى و فيه نظر فإن أصل البراءة ليس حجة باعتبار الاستصحاب و سبق عدم الوجوب بل هو أصل مستقلّ بنفسه قد قامت الأدلة القاطعة على حجيته و إن أمكن التمسّك بالاستصحاب لإثبات حجيته على ما يظهر من بعض المحققين و ربما يمنع من هذا أيضا لأن عدم تعلّق الوجوب باعتبار فقد شرائط التكليف الّتي من جملتها البلوغ لا يمكن استصحابه بعد اجتماعها إذ حينئذ يتوجه إليه خطاب و حكم و إن كان الإباحة فإن لم يتعين ما توجّه إليه بعد اجتماع الشرائط فينبغي التوقف لأن أصالة عدم تعلّق خطاب الوجوب معارضة