مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٧١٢
الأمرين معا و ما يقال من أن المثبت مفيد لما هو حكم شرعي بالاتفاق و النافي غير مجمع على إفادته لحكم شرعي و الغالب من الشارع أنه لا يتولّى بيان غير الشرعي مع أنه غير سديد من جهة أن الحكم غير مقصود لذاته و إنما هو مقصود لحكمة لكونه وسيلة إليها و حكمة الإثبات و إن كانت مقصودة فكذلك حكمة النّفي فهو معارض من جهة أن الغالب من الشارع على ما هو المألوف منه إنما هو التقرير لا التغيير و على هذا فالحكم المقرّر المنفي الأصلي يكون أولى لما يفضي إلى رفع الأمرين معا و ما يقال من أن المثبت مفيد لما هو حكم شرعي بالاتفاق و النافي غير مجمع على إفادته لحكم شرعي و الغالب من الشّارع أنه لا يتولى بيان غير الشرعي مع أنه غير سديد من جهة أن الحكم غير مقصود لحكمته لكونه وسيلة من المغير انتهى و فيما ذكره نظر لا يخفى و ينبغي التنبيه على أمور الأوّل قال في النهاية إذا كان أحد الخبرين يقتضي الإثبات و الآخر النفي و كانا شرعيّين قال القاضي عبد الجبار إنهما سواء و ضرب لذلك أمثلة ثلاثة الأول إذا اقتضى العقل حظر الفعل ثم ورد خبران أحدهما في إباحته و الآخر في وجوبه الثاني أن يقتضي العقل وجوب الفعل ثم يرد خبران أحدهما على الحظر و الآخر على الإباحة الثالث أن يقتضي العقل إباحة الفعل ثم يرد خبران أحدهما يقتضي الوجوب و الآخر الحظر قال أبو الحسين لقائل أن يقول لا بد و أن يكون أحدهما مطابقا لحكم العقل إذ كل فعل له في العقل حكم الحسن أو القبح أو ما زاد على الحسن و لا يكون أحد الخبرين نفيا و الآخر إثباتا إلا و النفي منهما نفي الواحد من الأحكام و الإثبات منهما إثبات لبعضهما و قال فخر الدّين الرازي هذا يستقيم على مذهبنا في أن العقل لا يستقل بشيء من الأحكام إثباتا و نفيا بل إنما يستفاد ذلك من الشرع فحينئذ لا مزيّة لأحدهما على الآخر و لا يتم على مذهب المعتزلة لأن كلّ نفي و إثبات تواردا على حكم واحد فلا بد و أن يكون أحدهما عقليا فإن الإباحة يشارك الوجوب في جواز الفعل و يخالفه في جواز الترك و تشارك الحظر في جواز الترك و تخالفه في جواز الفعل فهي تشارك كلّ واحد من الوجوب و الحظر بما به يخالف الآخر فإذا تقرر هذا فتقول إذا اقتضى العقل الحظر اقتضى جواز الترك لصدق جائز الترك لصدق جائز الترك على المحظور فإذا ورد خبر الإباحة و الوجوب كانت الإباحة منافية للوجوب من حيث أنها تقتضي جواز الترك لا من حيث أنها تقتضي جواز الفعل و جواز الترك حكم عقلي فثبت أنه لا بدّ في النفي و الإثبات هنا من كون أحدهما عقليّا و أما إذا اقتضى العقل الوجوب ثم ورد خبران في الحظر و الإباحة فالكلام فيه كما تقدم و أما إذا اقتضى العقل الإباحة ثم ورد خبران في الوجوب و التحريم فنقول ثبت أن الإباحة يشارك كلا من الوجوب و التحريم بما به يخالف الآخر فإذا كانت الإباحة مقتضى العقل لزم أن يكون الوجوب مقرّرا للحكم العقلي من وجه و ناقلا من آخر و كذا التحريم فهنا أيضا لا بد في النفي و الإثبات المتواردين على أمر واحد من أن يكون أحدهما عقليا و إذا ثبت أن النفي و الإثبات لا بد أن يكون أحدهما عقليّا رجع الترجيح إلى ما تقدم من أن الناقل أرجح أم المقرّر و فيه نظر لأن الإباحة بالمعنى الأخص منافية لكلّ من الحظر و الوجوب و هي المراد بالحكم الشرعي ثم قال إذا اقتضى العقل الحظر ثم ورد خبران بالوجوب و الإباحة و قد عرفت مشاركة الإباحة للحظر من وجه و مخالفتها من آخر فخبر الإباحة يقتضي بقاء حكم العقل من وجه هو الذي حصلت به المباينة و أما الوجوب فإنه يخالف الحظر في القيدين معا فيكون مقتضيا للنقل من وجهين فمن رجح الناقل رجح خبر الوجوب و من رجح المقرر رجح خبر الإباحة و كذا القول لو اقتضى العقل الوجوب ثم ورد خبران بالإباحة و الحظر أما لو كان مقتضى العقل الإباحة ثم ورد خبران بالوجوب و التحريم فكل منهما يشارك الإباحة من وجه دون آخر فيكون كلّ منهما ناقلا من وجه و مقرّرا من آخر فيحصل التساوي قال أبو الحسين فقد مثل قاضي القضاة للخبرين الوارد أحدهما بالإثبات و الآخر بالنفي بما روي أن النّبي صلى اللَّه عليه و آله صلّى في الكعبة و ما روي أنه صلى اللَّه عليه و آله لم يصلّ و بما روت أم سلمة أنه لم يقبلها و هو صلّى الله عليه و آله صائم و ما روت عائشة أنه صلى اللَّه عليه و آله قبلها و هو صائم قال و ليس هذا بمثال للمسألة لأن القبلة و الصّلاة و نفيهما أفعال لا أحكام فيقال إنهما عقلية أو شرعية و إنّما الأحكام جواز الصّلاة و نفي جوازها و العقل لوجود لكان مطابقا لنفي جوازها فإنها غير مصلحة و كون القبلة غير مفسدة للصوم هو مقتضى العقل و كذا تزويج النبي صلى اللَّه عليه و آله ميمونة و هو حلال أو حرام هو إيقاع فعل في أحوال و ليس ذلك بحكم و إنّما الحكم حسن ذلك مع الإحرام أو قبحه و مقتضى العقل هو حسنه هذا إذا كان الأصل هو الأصل في العقل أما ما يكون الأصل من حال المروي عنه فهو ما روي أن النّبي صلى اللَّه عليه و آله لم يصلّ في الكعبة و لم يقبل و هو صائم و أنه تزوّج ميمونة و هو حلال لأن الأصل منه عدم ذلك فالخبر المروي أنه صلى الله عليه و آله صلّى في الكعبة أولى و تحمل رواية من لم يصلّ على حسب اعتقاده و أنه خفي عليه بعض أحوال النّبي صلى اللَّه عليه و آله و رواية القبلة راجحة على رواية نفيها لأن أم سلمة روت عن حالها معه فلا تعارض رواية عائشة أنه قبلها و هو صائم و عدالة راوي تزويج النّبي صلى اللَّه عليه و آله و هو حرام تقتضي أن ينسب رواية تزويجه صلى اللَّه عليه و آله إياها و هو حلال إلى أنه استدام الأصل فكانت هذه الرواية أولى أن ثبتت العدالة الثاني إذا كان أحد الخبرين المتعارضين