مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٧٠
المتواتر الإجمالي إنما حصل من مجموع الأخبار الواردة في حرمة العمل بالقياس و من جملتها الأخبار الدالة بإطلاقها عليها فإذا لم تشمل لمحل البحث كما بيّناه سقطت هنا و من الظاهر أن التواتر لم يحصل بالأخبار النافية و الآحاد لا عبرة بها في مقابلة الأصل المذكور فتأمل و أما الثاني فلأنه من جملة أخبار الآحاد أيضا و قد بيّنا أن خبر الواحد و إن كان معتبرا لا ينفع في هذا المقام و مع ذلك فاعتبار سنده غير معلوم على أنا نمنع كون المفروض فيه من القياس المفروض بل الظاهر غيره فتأمل و منها ظهور الاتفاق على حجية المفروض لتصريح المعظم بها من غير تصريح بوجود المخالف و منها ظهور دعوى الإجماع على ذلك من المنية فإنه قال تعدية الحكم من التّأفيف إلى الضّرب و غيره من أنواع الأذى الزائد عن أذى التأفيف متفق عليه بين الأصوليين لكنهم اختلفوا في أنه هل هو بالقياس أم لا انتهى و يعضده أمران أحدهما ما ذكره في إحقاق الحق و غاية المأمول ففي الأول كل قياس علم الجامع فيه مثلا من قبل الشارع داخل في القياس الذي وافق أصحابنا الإمامية و غيرهم في جواز العمل بهما و هما ما كان منصوص العلة و ما كان فيه التنبيه من الأدنى على الأعلى أو بالعكس و في الثاني لا كلام لأحد في ثبوت التحريم في جميع أنواع الأذى الزائدة على التأفيف عند تحريمه لكنهم اختلفوا في أن تعدية التحريم من التأفيف إلى أنواع الأذى الزّائدة عليه هل هو بالقياس قيل نعم و اختاره العلامة في التهذيب و هو مذهب كثير من العامة سموه قياسا جليا و قيل لا و اختاره المحقق و جماعة انتهى و ثانيهما ظهور عبارة النهاية و المعالم و غيرهما في دعوى الاتفاق على حجية ذلك كما لا يخفى و منها أن لا يعلم بالخطاب الدال على ثبوت الحكم في الأصل بعينه بل يكون غاية ما يحصل العلم به ثبوت الحكم في الأصل في الجملة كما إذا حصل العلم بالإجماع أو التواتر المعنوي أو نحو ذلك بحرمة التأفيف في الشريعة و لم يعلم بخصوص الخطاب الدّال عليه الصادر من الشرع و لكن يعلم بثبوت الحكم في الأصل علما قطعيا جزميّا و يعلم أيضا بثبوت تلك العلّة في الفرع الذي هو أولى كما إذا علم أن حرمة التأفيف التي ثبت بالإجماع أو نحوه علتها رفع أذية الوالدين ليس الأولاد يحتمل مدخلية لفظ التأفيف في التحريم تعبد أو علم بتضمن الضّرب و نحوه الأذية أيضا فهل يجوز حينئذ الحكم بثبوت حكم الأصل في الفرع الذي هو أولى فيكون هذا القسم من القياس بالطريق الأولى حجة أيضا فيه إشكال من الأصل و العمومات المانعة من العمل بغير العلم و إطلاق النّصوص الدّالة على حرمة العمل بالقياس و عموم جملة من الأخبار الظاهرة في المنع من القياس بالطريق الأولى كالأخبار الدالة على بطلان قياس إبليس لعنه الله الذي هو من هذا القياس و الأخبار الّتي تضمنت النقض على أبي حنيفة بعدم جواز قياس الصّلاة على الصوم في عدم سقوط القضاء و نحو ذلك فإن كلّ ذلك من هذا القسم من القياس مضافا إلى إطلاق العبارات المتضمنة لدعوى الإجماع على بطلان القياس المعتضد بإطلاق فتوى معظم الأصحاب به و ما ذكروه من أن القياس بالطريق الأولى و التنبيه بالأدنى على الأعلى حجة لا ينصرف إلى هذا القسم بل إنما ينصرف إلى القسم الأول كما لا يخفى و من أن هذا القسم من القياس يحصل منه الظن بالحكم الشرعي كخبر الواحد و الشهرة و نحوهما و الأصل في كلّ ظن الحجية حتى يقوم دليل قاطع على عدم حجيته و يعلم بعدم حجيته كالقياس المستنبط العلّة الذي ليس فيه أولوية أصلا فإنه مقطوع بعدم حجيته لأنه القدر المتيقن من النصوص و الفتاوى و الإجماعات المحكية الدالة على حرمة القياس كما لا يخفى و ليس المفروض من هذا القبيل لعدم دليل قاطع على عدم حجيته و الوجوه المتقدمة لا تصلح لإفادة القطع بذلك أما الأصل فظاهر و أما العمومات و الإطلاقات المانعة عن العمل بغير العلم فإن جملة منها و إن كان قطعي السّند و من الكتاب و لكن جميعها ظني الدّلالة لأن دلالة العام و المطلق على كلّ جزئي مندرج تحتهما ظنية قطعا و إلا لما صحّ ارتكاب التخصيص و التقييد فيهما كما لا يخفى و بطلان التالي في غاية الوضوح فإن تخصيص العمومات و تقييد المطلقات مما لا مجال لإنكاره و من جملتها هذه العمومات و الإطلاقات فإن تقييدها و تخصيصها في موارد كثيرة ككثير من موارد الموضوعات الصرفة و كثير من موارد الموضوعات الاستنباطية و المسائل اللغوية و كثير من موارد الأحكام الشرعية الفرعية مما لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه و حيث كانت ظنية الدّلالة فلا تصلح لدفع الأصل المذكور بل هي مندفعة به إذ لا يتم إلا برفع اليد عنها و ذلك ظاهر و أما الإطلاقات و العمومات الدّالة على حرمة القياس فهي ظنية الدلالة لما تقدم مع أنها بخصوصها ظنية السّند أيضا لأنها من الآحاد و لم يتواتر و تواتر حرمة العمل بالقياس في الجملة معنوي لا لفظي كما لا يخفى فلا يلزم من تواتر ذلك تواتر مضمون العمومات و الإطلاقات المذكورة كما تقدم إليه الإشارة و حيث كانت ظنية السّند و الدلالة كانت أسوأ حالا من العمومات المانعة من العمل بغير العلم فإذا كانت هذه لا تصلح لمعارضة الأصل المذكور فكذلك العمومات و الإطلاقات المذكورة لاتحاد الوجه و الأولوية فتأمل هذا كلّه على تقدير تسليم اندراج المفروض تحتها و أما على تقدير المنع منه إما باعتبار عدم صدق لفظ القياس بالمعنى المصطلح عليه بين الفقهاء و الأصوليين عليه لكونه من باب تنقيح المناط و هو مما لا يسمّى بحسب الاصطلاح قياسا إذ باعتبار عدم معلومية إرادة المعنى الاصطلاحي للقياس في الأخبار الواردة في المنع من العمل بالقياس لاحتمال أن يراد منه فيها الوجوهات الاعتبارية و الاستحسانات العقلية المعمولة عند العامة و المجتنب عنها عند الشيعة باعتبار عدم دليل على حجيتها بل هي ظاهرة الفسا د فالجواب عن ذلك في غاية الوضوح و أما الأخبار الدّالة على بطلان