مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٥٤
و دليل العقل فإن الخلاف لا يضاده فإن المخالف مقرّ بأن العموم يتناول بصيغة محل الخلاف فإن قوله صلى اللّه عليه و آله لا صيام لمن لم يبت الصّيام من الليل شامل بصيغته صوم مع خلاف الخصم فيه فيقول أسلم شمول الصّيغة لكن أخصه بدليل فعلية الدليل و هذا المخالف لا يسلم شمول الإجماع محلّ الخلاف لاستحالة الإجماع مع الخلاف و لا يستحيل شمول الصّيغة مع الدّليل فهذه دقيقة يجب التنبيه لها و يرد عليه ما تقدم من عدم الانحصار في النّصّ و الإجماع و القياس قال فإن قيل الإجماع يحرم الخلاف فكيف يرتفع بالخلاف أجاب بأن هذا الخلاف غير محرم بالإجماع و لم يكن المخالفة خارقة للإجماع لأن الإجماع إنما انعقد على حالة العدم لا على حالة الوجود فمن ألحق الوجود بالعدم فعليه الدّليل لا يقال دليل صحة الشروع دال على الدوام إلا أن يقوم دليل على الانقطاع لأنا نقول ليس ذلك الدليل الإجماع لأنه مشروط بالعدم فلا يكون دليلا عند العدم فإن كان نصّا فبيّنه للنظر هل يتناول حال الوجود أم لا يقال لم تنكرون على من يقول الأصل أن ما ثبت دام إلى وجود قاطع فلا يحتاج الدوام إلى دليل في نفسه بل الثبوت هو المحتاج كما إذا ثبت موت زيد أو بناء دار كان دوامه بنفسه لا بسبب لأنا نقول هذا وهم باطل فإن كل ثابت جاز دوامه و عدمه فلا بد لدوامه من سبب و دليل سوء دليل لثبوت و لو لا دليل العادة على أن الميت لا يحيي و الدار لا ينهدم بعد البناء إلا بهادم أو طول الزمان لما عرفنا دوامه بمجرّد موته كما لو أخبر عن قعود الأمير و أكله و دخوله الدار و لم تدل العادة على هذه الأحوال فإنا لا نقضي بدوامها فكذا خبر الشرع عن دوام الصّلاة مع عدم الماء ليس خبرا عن دوامها مع وجوده فيفتقر دوامها إلى دليل آخر لا يقال ليس مأمورا بالشروع فقط بل به و بالإتمام لأنا نقول إنه مأمور بالشّروع مع العدم و بالإتمام معه أما مع الوجود فهو المتنازع لا يقال إنه منهي عن إبطال العمل و في استعمال الماء إبطال لأنا نقول هذا دليل آخر غير الاستصحاب مع ضعفه لأن المراد بالبطلان إن كان إحباط العمل فلا نسلّم أنه لا يثاب على فعله و إن كان أنه أوجب عليه مثله فليس الصّحة عبارة عما لا يجب فعل مثله كما تقدم لا يقال الأصل أنه لا يجب شيء بالشك و وجوب استئناف الصّلاة مشكوك فيه فلا يرفع به اليقين لأنا نقول إنه معارض بأن وجوب المضي في هذه الصّلاة مشكوك فيه و براءة الذّمة بهذه الصّلاة مع وجود الماء مشكوك فيه ثم نقول من يوجب الاستئناف يوجبه بدليل يغلب على الظن كما ترفع البراءة الأصلية بدليل يغلب على الظن كيف و اليقين قد يرفع بالشكّ في بعض المواضع فالمسائل فيه متعارضة كما إذا اشتبهت ميتة بمذكاة و رضيعة بأجنبية و ماء طاهر بماء نجس و من نسي صلاة من خمس صلوات و احتج الآخرون بأنه تعالى صوت الكفار في مطالبتهم الرّسل بالبرهان حتى قال تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين و قد اشتغل الرسل بالبرهان المغير للاستصحاب و الجواب أنهم لم يستصحبوا الإجماع بل النفي الأصل الذي دل العقل عليه إذ الأصل في فطرة الآدمي أن لا يكون نبيّا و إنما يعرف ذلك بآيات و علامات فهم مصيبون في طلب البرهان و مخطئون في المقام على دين آبائهم بمجرد الجهل من غير برهان انتهى و ينبغي التنبيه على أمرين الأوّل لا فرق على المختار في جريان الاستصحاب في محل الخلاف بين أن يكون أحد الطرفين مشهوران أو لا اللهم إلا أن يقال بحجية الشهرة فيلزم حينئذ المصير إلى ما صار إليه المعظم و إن نافاه الاستصحاب كما لا يخفى الثاني قال في الوافية اعلم أن الشهيد الأول قال في قواعده البناء على الأصل و هو استصحاب ما سبق على أربعة أقسام أحدها استصحاب النفي في الحكم الشرعي إلى أن يرد دليل و هو المعبر عنه بالبراءة الأصلية و ثانيها استصحاب حكم العموم إلى أن يرد ناسخ و هو إنما يتم بعد استقصاء الفحص عن المخصّص و الناسخ و ثالثها استصحاب حكم ثبت شرعا كالملك عند ورود سببه و شغل الذمة عند إتلاف مال أو الالتزام إلى أن يثبت رافعه و رابعها استصحاب حكم الإجماع في موضع النزاع كما يقول الخارج من غير السّبيلين لا ينقض الوضوء للإجماع على أنه متطهر قبل هذا الخارج فيستصحب إذ الأصل في كل متحقق دوامه حتى يثبت معارضه و الأصل عدمه و مثله قال الشهيد الثاني في كتاب تمهيد القواعد و لا يخفى عليك الحال في القسم الأول فإنه قد مر مفصّلا و عرفت أيضا أن الثاني ليس من الاستصحاب و أما الثالث فهو من الاستصحاب و لكن الفائدة في قوله استصحاب حكم ثبت شرعا و تقييد الثبوت بالشرع غير ظاهرة لعموم أدلّة الاستصحاب على ما مر فتأمل و أما الرابع فيجري فيه ما يجري في الثاني من خروجه عن الاستصحاب إن كان المجمع عليه الثبوت مطلقا و إلا فلا يجوز الاستصحاب و ما قد يستدل في بعض المسائل بأن هذا الحكم ثابت بالإجماع و الإجماع إنما هو إلى هذا الوقت الخاص فلا دليل عليه فيما بعده فلم يكن الحكم فيما بعده ثابتا فهو غير منقح فإنه يجب التفتيش عن متن الحكم المجمع عليه هل هو محدود إلى وقت أو حال أو هو مطلق غير محدود فإن كان الأول فالاستدلال صحيح و إلا فلا يجدي تحقق الخلاف في وقت إذا كان متن الإجماع غير محدود لأنه يصير حجة على المخالف انتهى و في المعتبر من دليل العقل استصحاب حال العقل و هو التمسّك بالبراءة الأصلية كما تقول ليس الوتر واجبا لأن الأصل براءة العهدة و في غاية المأمول لا كلام في حجية استصحاب النفي و هو المعبّر عنه بالبراءة الأصلية و حاصله استصحاب براءة الذمّة عن الواجبات و سقوط الحرج عن الخلق في الحركات و السّكنات إلى أن يرد الدليل الناقل عن النفي الأصلي إلى ذلك الحكم فيتبع حيث ما دلّ