مفاتيح الأصول - المجاهد، السيد محمد - الصفحة ٦٥٣
بل و ظن أيضا يتوقف عن الحكم بثبوت الحكم الثابت أولا لأن الظاهر من الأخبار أنه إذا علم بوجود شيء فإنه يحكم به حتى يعلم زواله انتهى و فيه نظر بل المعتمد جريان الاستصحاب في جميع الأحكام الشرعية التكليفية و الوضعية كما لا يخفى فتأمل السّابع قال في المعارج مثالا لاستصحاب التيمم إذا دخل في الصّلاة فقد أجمعوا على المضي فيها فإذا رأى الماء في أثناء الصّلاة فهل يستمر على فعلها استصحابا للحال الأوّل أم يستأنف الصّلاة فمن قال بالاستصحاب قال بالأوّل و من أطرحه قال بالثاني انتهى و قد اقتصر على هذا المثال للاستصحاب في الذّريعة و العدّة و الغنية و المعتبر و المعالم و غيرها و قد يناقش فيه على تقدير حجية الاستصحاب أولا بأصالة بقاء الاشتغال بما لم يأت به من أجزاء الصّلاة فيجب الوضوء إلا أن يقال المعارضة لا تقدح في التمثيل فتأمل و ثانيا بالمنع من ثبوت الصّحة بالنسبة إلى ما أتى به لأن الصحّة في العبادة عبارة عن موافقة الأمر و هي غير معلومة هنا بناء على المختار من عدم توجه الأمر إلى المأمور مع علم الآمر بفقد شرط من شروطه و ذلك لأن المكلف قبل إتمام الصّلاة لا يقطع لكونه جامع الشرائط و مع ذلك لا يقطع بصحة ما أتى به فلا يمكنه الحكم باستصحاب الصحّة باعتبار كونها هنا على وجه المراعاة و يشترط في الاستصحاب ثبوت الحكم في الزمان الأول على وجه البت اللّهم إلا أن يكون المراد استصحاب اللّوازم الثابتة بالشروع في الصّلاة من حرمة قطعها و نحوها فتأمل مفتاح إذا ثبت حكم بمجرّد الإجماع في الجملة ثم حصل الاختلاف بين الأصحاب في بقائه فهل يجوز الحكم ببقائه باعتبار الاستصحاب أو لا المعتمد هو الأول عملا بإطلاق الأخبار المتقدمة و غيره مما دلّ على حجية الاستصحاب و لا يشترط فيه أن يكون دليل البقاء هو بعينه دليل الثبوت بل يشترط خلافه و كون دليل الثبوت غير مفيد إلا لثبوت الحكم في الزمن الأوّل في الجملة و إلا لكان ثبوت الحكم في الزمان الثاني غير مستند إلى الاستصحاب بل إلى غيره و يظهر من النهاية أن المسألة خلافية فإنه قال اختلف الناس في استصحاب حكم الإجماع في محلّ الخلاف فقال الأكثر أنه ليس حجة و به قال الغزالي و قال آخرون إنه حجة و مثاله أن يقال المتيمم إذا رأى الماء في خلال الصّلاة مضى في صلاته لانعقاد الإجماع على صحة صلاته و دوامها فطريان وجود الماء كطريان هبوب الريح و طلوع الشمس و سائر الحوادث فنحن نستصحب دوام الصّلاة إلى أن يدلّ دليل على كونه رؤية الماء قاطعا و كقول الشافعي في مسألة الخارج من غير السّبيلين إذا تطهر ثم خرج منه خارج من غير السّبيلين فهو بعد الخروج متطهر و لو صلى فصلاته صحيحة لانعقاد الإجماع على هذين الحكمين قبل الخارج و الأصل في كلّ متحقق دوامه إلى أن يوجد المعارض و الأصل عدمه لا يقال القول بصحة الصّلاة و ثبوت الطهارة في محلّ النزاع لا بد له من دليل و ليس نصّا و لا قياسا و إلا لم يكن إثبات الحكم في محلّ الخلاف بناء على الاستصحاب بل على ما ظهر من النّص أو القياس و لا إجماعا لأنه مختلف فيه و لا إجماع في محلّ الخلاف و إن كان الإجماع قبل خروج الخارج ثابتا لأنا نقول متى لم يفتقر الحكم في بقائه إلى دليل إذا قيل إنه يتنزل منزلة الجواهر أو الأعراض الأول ممنوع بل هو باق بعد ثبوته بالإجماع لا بدليل لما سبق تقريره في مسألة الاستصحاب و الثاني مسلم لكن لم قلتم بأنه يتنزل منزلة الأعراض سلمنا تنزله منزلتها و أنه لا بد له من دليل لكن لا نسلّم انحصار الدليل المنفي فيما ذكرتموه من النّص و الإجماع و القياس إلا إذا بينتم أن الاستصحاب ليس دليلا و هو نفس النزاع سلّمنا أن الاستصحاب بنفسه لا يكون دليلا على الحكم الباقي بنفسه لكنه دليل الدليل على الحكم لما تقدم في مسألة الاستصحاب من وجود غلبة الظن ببقاء كل ما كان متحققا على حاله و هو يدل من حيث الإجمال على دليل موجب لذلك الظن و أشار إلى جميع ما ذكره في الإحكام إلا أنه صرّح بأن المختار الجواز و لم ينسب القول بالعدم إلى الأكثر بل نسبه إلى جماعة من الأصوليّين كالغزالي و لم يذكر المثال الأول انتهى ثم قال في النهاية قال الغزالي المستصحب إن أقر بأنه لم يقم دليلا في المسأل ة بل قال أنا ناف و لا دليل على النافي فسيأتي بيان وجوب الدليل على النافي و إن ظن إقامة دليل فقد أخطأ فإنا نقول إنما يستدام الحكم الذي دل الدليل على دوامه و هو إن كان لفظ الشارع فلا بد من بيانه فلعلّه يدلّ على دوامها عند عدم الخروج و لا عند وجوده و إن دلّ بعمومه على دوامها عند العدم و الوجود معا كان ذلك أيضا تمسّكا بالعموم فيجب إظهار دليل التخصيص و إن كان بإجماع فالإجماع إنما انعقد على دوام الصّلاة عند العدم دون الوجود و لو كان الإجماع شاملا حال الوجود كان المخالف له خارقا للإجماع كما أن المخالف في انقطاع الصّلاة عند هبوب الرّياح و طلوع الشمس خارق للإجماع لأن الإجماع لم ينعقد مشروطا بعدم الهبوب و انعقد مشروطا بعدم الخروج و عدم الماء فإذا وجد فلا إجماع فيجب أن يقاس حال الوجود على حال العدم المجمع عليه بعلّة جامعة فأما أن يستصحب الإجماع عند انتفاء الإجماع فهو محال و هذا كما أن العقل دل على البراءة الأصلية بشرط عدم دليل السمع فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع فكذا هنا انعقد الإجماع بشرط العدم و انتفي الإجماع عند الوجود و هذه دقيقة و هو أن كلّ دليل يضاده نفس الخلاف فلا يمكن استصحابه مع الخلاف و الإجماع يضاده نفس الخلاف إذ لا إجماع مع الخلاف بخلاف العموم و النصّ